دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٥١ - مفهوم الوصف
التقييد بالعدالة، فغاية ما يقتضيه الربط المخصوص بين مفاد أكرم و الوصف انتفاء تلك الحصّة الخاصّة عند انتفاء العدالة- و هذا واضح- لا انتفاء طبيعيّ الحكم [١].
[١] أرى من الضروري جدّاً توضيح الوجه المذكور لعدم جريان الإطلاق في مفاد الأمر ضمن الجملة الوصفيّة بنحوٍ يظهر به وجه الفرق بينه و بين مفاد الأمر ضمن الجملة الشرطيّة الذي قلنا سابقاً بجريان الإطلاق فيه، إذ قد يقال: ما الفرق بين قول القائل: «أكرم الفقير العادل» و قوله: «إذا كان الفقير عادلًا فأكرمه»؟ و ما هي النكتة التي تؤدّي إلى عدم جريان الإطلاق في مفاد (أكرم) في الجملة الاولى، و جريانه فيه في الجملة الثانية؟ رغم أنّ مفاد (أكرم) في كلتا الجملتين مقيّد بقيد العدالة، غاية الأمر أنّ هذا التقييد في الجملة الشرطيّة تقييدٌ مباشرٌ للحكم، و في الجملة الوصفيّة تقييدٌ له بواسطة المتعلّق و الموضوع كما جاء توضيحه في المتن.
فإذا كان تقييد مفاد (أكرم) بقيد العدالة مانعاً عن جريان الإطلاق في مفاد (أكرم) لإثبات دخالة هذا القيد في طبيعي وجوب الإكرام لا في مصداق معيّن من هذا الوجوب فحسب، فليكن مانعاً عن ذلك في الجملة الشرطيّة و الوصفيّة معاً، و إن كان غير مانع عن ذلك فليكن غير مانع عنه في كلتا الجملتين أيضاً.
و الواقع إنّ الرمز الأساسي الذي اعتمد عليه استاذنا الشهيد (رحمه الله) لتفسير الفرق بين هاتين الجملتين عبارة عن أنّ النسبة القائمة بين الوجوب المستفاد من هيئة (أكرم) و بين قيد العدالة في الجملة الشرطيّة نسبة تامّة غير اندماجيّة، بحيث يكون قول القائل: «إذا كان الفقير عادلًا فأكرمه» بمنزلة قوله: «وجوب إكرام الفقير مقيّد بالعدالة»، و النسبة القائمة بينهما في الجملة الوصفيّة نسبة ناقصة اندماجيّة، بحيث يكون قول القائل: «أكرم الفقير العادل» بمنزلة قوله: «جعلت عليكم وجوبَ إكرام الفقير، المقيّدَ بالعدالة».
و قد جعل (رحمه الله) هذا الفرق بين الجملة الشرطيّة و الجملة الوصفيّة كافياً لتفسير جريان الإطلاق في هذا الوجوب ضمن الجملة الاولى و عدم جريانه فيه ضمن الجملة الثانية.
و توضيح ذلك: أنّ إجراء الإطلاق في كلّ عنوانٍ مذكورٍ في الكلام لا بدّ و أن يكون بلحاظ حكمٍ مطروحٍ في ذلك الكلام لأجل إثبات أنّ ذلك الحكم متعلّق و مرتبط بذات طبيعة ذلك العنوان لا بفردٍ معيّنٍ أو حصّة خاصّة منه، و فيما نحن فيه نجد أنّ العنوان الذي يراد إجراء الإطلاق فيه عبارة عن الوجوب المستفاد من هيئة (أكرم) و الحكم الذي يكون إجراء الإطلاق في ذلك العنوان بلحاظه و لأجل إثبات كونه متعلّقاً و مرتبطاً بذات طبيعة ذلك العنوان عبارة عن نفس تقيّد هذا الوجوب بقيد العدالة، بمعنى أنّنا نريد أن نثبت بهذا الإطلاق أنّ ما قُصد تقييده بقيد العدالة ذات طبيعة وجوب إكرام الفقير لا خصوص فردٍ معيّن من أفراده أو حصّةٍ خاصّة من حصصه.
و حينئذٍ إذا كانت النسبة القائمة بين العنوان الذي يراد إجراء الإطلاق فيه- و هو الوجوب المستفاد من هيئة (أكرم) في ما نحن فيه- و بين الحكم الذي يجري الإطلاق بلحاظه- و هو تقيّد ذلك الوجوب بقيد العدالة في ما نحن فيه- عبارةً عن نسبةٍ تامّةٍ غير اندماجيّة، كما هو كذلك في الجملة الشرطيّة «إذا كان الفقير عادلًا فأكرمه» حيث قلنا: إنّها بمنزلة قول القائل: «وجوب إكرام الفقير مقيّد بالعدالة» أمكن التمسّك بالإطلاق المذكور لإثبات أنّ التقيّد بقيد العدالة منصبّ على ذات طبيعة هذا الوجوب لا على حصّة خاصّةٍ أو فردٍ معيّنٍ منه، و ذلك بإجراء قرينة الحكمة في العنوان المذكور بالطريقة المعروفة.
و أمّا إذا كانت النسبة القائمة بين ذلك العنوان و ذلك الحكم نسبةً ناقصةً اندماجيّة، كما هو كذلك في الجملة الوصفيّة «أكرم الفقير العادل» حيث قلنا: إنّها بمنزلة قول القائل: «جعلت عليكم وجوبَ إكرام الفقير، المقيّدَ بالعدالة» فهذا يعني أنّ العنوان و الحكم الواقعين في طرفي هذه النسبة الناقصة قد اندمج أحدهما بالآخر في صقع الذهن و أصبحا بمنزلة عنوانٍ واحدٍ دالٍّ على الحصّة الخاصّة و ليس كلٌّ منهما إلّا جزءاً تحليليّاً لتلك الحصّة الخاصّة، و في مثل ذلك لا يمكن إجراء قرينة الحكمة في جزءٍ تحليليّ من هذه الحصّة الخاصّة لإثبات أنّ الجزء التحليلي الآخر قد انصبّ على ذات طبيعة الجزء الأوّل، لأنّ قرينة الحكمة إنّما تجري في كلّ عنوانٍ بعد اكتماله من حيث أجزائه التحليليّة، و لا تجري في كلّ جزءٍ تحليلي بلحاظ جزءٍ تحليلي آخر.
و لهذا تجد أنّ المدلول العرفي لقوله تعالى: «وَ أنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً» (الفرقان: ٤٨) لا يقتضي الحكم بطهوريّة مطلق الماء النازل من السماء، و إنّما يقتضي الحكم بأنّ الماء الطهور قد انزل من السماء، و هل انزل ماءٌ غير طهور أيضاً أو لا؟ فهو ساكت عن ذلك، و ليس هذا إلّا بسبب أنّ النسبة القائمة بين الماء النازل من السماء و بين الطهوريّة في هذه الآية الكريمة نسبةٌ ناقصة اندماجيّة، و قد أصبح الطرفان بسبب هذه النسبة بمنزلة عنوانٍ واحد دالٍّ على الحصّة الخاصّة، و هذا بخلاف ما إذا قيل: «الماء النازل من السماء طهورٌ» فإنّ المدلول العرفي لهذه الجملة حينئذٍ يقتضي الحكم بطهوريّة مطلق الماء النازل من السماء، لأنّ النسبة بين الماء النازل من السماء و بين حكم الطهوريّة حينئذٍ نسبة تامّة غير اندماجيّة، و يمكن إجراء الإطلاق في أحد طرفيها بالطريقة المألوفة لإثبات أنّ الطرف الآخر قد انصبّ على ذات طبيعة الطرف الأوّل لا على حصّةٍ خاصّةٍ أو فردٍ معيّنٍ منه.
و بهذا يظهر أنّ الفرق بين الجملة الشرطيّة و الجملة الوصفيّة كالفرق بين جملة «الماء النازل من السماء طهور» و جملة «أنزلنا من السماء ماءً طهوراً» حيث يجري الإطلاق في الاولى دون الثانية، كما هو كذلك في المثالين