دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٢٧ - مفهوم الشرط
الثالث: دعوى دلالة الأداة على الربط اللزوميِّ وضعاً، و دلالة تفريع الجزاء على الشرط في الكلام على تفرِّعه عنه ثبوتاً، و كون الشرط علّةً تامّةً له؛ لأصالة التطابق بين مقام الإثبات و الكلام و مقام الثبوت و الواقع، و دلالة الإطلاق الأحواليّ في الشرط على أنّه علّة تامّة بالفعل دائماً، و هذا يستلزم عدم وجود علّةٍ اخرى للجزاء، و إلّا لكانت العلّة في حال اقترانهما المجموع، لا الشرط بصورةٍ مستقلّة؛ لاستحالة اجتماع علّتين مستقلَّتين على معلولٍ واحد، فيصبح الشرط جزءَ العلّة، و هو خلاف الإطلاق الأحواليّ المذكور [١].
[١] حاصل هذا الوجه: أنّ الركن الأوّل من ركني ضابط المفهوم يمكن تحليله إلى ثلاثة عناصر و هي (الربط اللزومي) و (العلّية التامّة) و (الانحصار).
أمّا الربط اللزومي فيستفيده صاحب هذا الوجه من أداة الشرط مباشرةً، بدعوى دلالتها على ذلك بالوضع.
و أمّا العلّية التامّة فيستفيدها من تفريع الجزاء على الشرط، إذ لا شكّ في دلالة الجملة الشرطيّة تصوّراً على تفريع الجزاء على الشرط، سواء افترضنا أنّ الدالّ عليه هو الفاء الداخلة على الجزاء لفظاً أو تقديراً، أو أنّ الدالّ عليه هي الهيئة التركيبيّة، أو أيّ دالّ آخر. و المهمّ أنّه يدّعي استفادة علّية الشرط للجزاء على نحو العلّة التامّة ثبوتاً من تفريع الجزاء على الشرط إثباتاً، بتصوّر أنّ المراد الثبوتي المناسب لهذا التفريع الإثباتي إنّما هي العليّة التامّة، فبمقتضى أصالة التطابق بين مقام الثبوت و مقام الإثبات لا بدّ من حمل المراد الجدّي على معنى العليّة التامّة.
و أمّا الانحصار فيستفيده صاحب هذا الوجه من الإطلاق الأحوالي للشرط ببيانٍ يختلف عمّا مضى في بحث ضابط المفهوم، حيث قلنا هناك في بيان الإطلاق الأحوالي أنّ مقتضى إطلاق الشرط أنّ عليّته التامّة المدلول عليها بدالّ سابق تشمل جميع حالات الشرط من حيث سبق شيء آخر عليه و عدم سبقه عليه. و هنا نقول: أنّ مقتضى إطلاق الشرط أنّ علّيته التامّة المدلول عليها بدالّ سابق- و هو تفريع الجزاء على الشرط حسب الفرض- تشمل جميع حالات الشرط لا من حيث سبق شيء آخر عليه و عدمه، بل من حيث اقترانه بشيء آخر و عدمه، فإنّ هذا الإطلاق الأحوالي يدلّ على أنّه لا فرق في كون الشرط علّةً تامّة للجزاء بين حالة اقترانه بشيء آخر و حالة عدم اقترانه به، و هذا دليل على أنّه لا علّة اخرى لهذا الجزاء، إذ لو كانت له علّة اخرى غير الشرط لكان الشرط في حالة اقترانه بها جزءَ العلّة لا تمامَ العلّة- وفقاً للقاعدة الفلسفيّة التي تقول: إنّه متى ما اجتمعت علّتان تامّتان بطبعهما على معلول واحد في لحظة زمانيّة واحدة تحوّل كلّ منهما إلى جزء العلّة و أصبح المركّب منهما علّةً واحدةً تامّة- و هذا خلاف الإطلاق الأحوالي المذكور، لأنّ هذا الإطلاق يؤكّد على أنّ هذا الشرط هو العلّة التامّة حتّى في حالة اقترانه بشيء آخر، و بهذا يمكن نفي عليّة أيّ شيء آخر غير الشرط، و هو معنى الانحصار، و به يتمّ الركن الأوّل من ركني ضابط المفهوم