دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٥٤ - أنحاء لحاظ الماهيّة
اللحاظين الآخرين كان جامعاً بينهما، لا قسماً في مقابلهما، بدليل انحفاظه فيهما معاً، و القسم لا يحفظ في القسم المقابل له.
ثمّ إذا تجاوزنا وعاء المعقولات الأوّلية للذهن إلى وعاء المعقولات الثانية التي ينتزعها الذهن من لحاظاته و تعقّلاته الأوّلية [١] وجدنا أنّ الذهن ينتزع جامعاً بين اللحاظات الثلاثة للماهيّة المتقدّمة، و هو عنوان لحاظ الماهيّة من دون أن يقيّد هذا اللحاظ بلحاظ الوصف، و لا بلحاظ عدمه، و لا بعدم اللحاظين، و هذا جامع بين لحاظات الماهيّة الثلاثة في الذهن، و يسمّى بالماهيّة اللابشرط المقسمي تمييزاً له عن لحاظ الماهيّة اللابشرط القسمي؛ لأنّ ذاك [٢] أحد الأقسام الثلاثة للماهيّة في الذهن، و هذا [٣] هو الجامع بين تلك الأقسام الثلاثة [٤].
[١] و قد وضّحنا المراد ب (المعقولات الثانويّة) عند توضيح المراد ب (المعقولات الأوّليّة) في إحدى تعليقاتنا السابقة فراجع
[٢] أي (اللّابشرط القسمي)
[٣] أي (اللّابشرط المقسمي)
[٤] حاصل الكلام: إنّنا كما إذا تجاوزنا وعاء العالم الخارجي- الذي لا يشتمل إلّا على قسمين من الوجود لماهيّة معيّنة كما سبق- إلى وعاء المعقولات الأوّليّة للذهن وجدنا أنّ بإزاء كلّ قسم من القسمين الخارجيّين نحواً من لحاظ الماهيّة في وعاء المعقولات الأوّليّة و يزداد في هذا الوعاء نحو ثالث من لحاظ الماهيّة بإزاء القدر المشترك بين القسمين الخارجيّين .. كذلك إذا تجاوزنا وعاء المعقولات الأوّليّة للذهن- الذي لا يشتمل إلّا على ثلاثة أنحاء للحاظ الماهيّة كما سبق- إلى وعاء المعقولات الثانويّة وجدنا أنّ بإزاء كلّ نحو من تلك الأنحاء الثلاثة للحاظ الماهيّة نحواً من اللحاظ في وعاء المعقولات الثانويّة و يزداد في هذا الوعاء نحو رابع من اللحاظ بإزاء القدر المشترك بين الأنحاء الثلاثة للحاظ الماهيّة في وعاء المعقولات الأوّليّة.
و توضيح ذلك:
إنّنا إذا عمدنا إلى النحو الأوّل من أنحاء لحاظ الماهيّة في وعاء المعقولات الأوّليّة- و هو لحاظ الماهيّة بشرط شيء- استطعنا أن ننتزع عنه صورة ذهنيّة جديدة تشكّل نحواً من لحاظ الماهيّة في وعاء المعقولات الثانويّة، و هو صالح لإراءة تمام الصورة الذهنيّة الحاصلة بلحاظ الماهيّة بشرط شيء التي هي في وعاء المعقولات الأوّليّة بما فيها من المميّز الوجودي الخاصّ بها و هو لحاظ الوصف الزائد على ذات الماهيّة.
و إذا عمدنا إلى النحو الثاني من أنحاء لحاظ الماهيّة في وعاء المعقولات الأوّليّة- و هو لحاظ الماهيّة بشرط لا- استطعنا أن ننتزع عنه أيضاً صورة ذهنيّة جديدةً تشكّل نحواً آخر من لحاظ الماهيّة في وعاء المعقولات الثانويّة، و هو صالح لإراءة تمام الصورة الذهنيّة الحاصلة بلحاظ الماهيّة بشرط لا التي هي في وعاء المعقولات الأوّليّة بما فيها من المميّز الوجودي الخاصّ بها و هو لحاظ عدم الوصف الزائد على ذات الماهيّة.
و إذا عمدنا إلى النحو الثالث من أنحاء لحاظ الماهيّة في وعاء المعقولات الأوّليّة- و هو لحاظ الماهيّة لا بشرط- استطعنا أن ننتزع عنه أيضاً صورة ذهنيّة جديدة تشكّل نحواً ثالثاً من لحاظ الماهيّة في وعاء المعقولات الثانويّة، و هو صالح لإراءة تمام الصورة الذهنيّة الحاصلة بلحاظ الماهيّة لا بشرط بما لها من المميّز العدميّ الخاصّ بها و هو عدم كلا اللحاظين السابقين.
و من الملحوظ هنا أنّ مميّز النحو الثالث من أنحاء لحاظ الماهيّة و إن كان أمراً عدميّاً محضاً في وعاء المعقولات الأوّليّة، و لكنّنا عند ما ننتزع صورة ذهنيّة جديدة عن هذا اللحاظ في وعاء المعقولات الثانويّة سوف نلحظ فيها الأمر العدمي و يتحوّل بذلك إلى أمر وجوديّ و هو لحاظ عدم اللحاظين السابقين، و هذا يعني أنّ هذه الأنحاء الثلاثة للحاظ الماهيّة في وعاء المعقولات الثانويّة مميّزاتها جميعاً امور وجوديّة.
ثمّ إنّ بالإمكان الحصول على نحو رابع من لحاظ الماهيّة في وعاء المعقولات الثانويّة و ذلك بانتزاع صورة ذهنيّة جديدة عن القدر المشترك بين الأنحاء الثلاثة للحاظ الماهيّة التي هي في وعاء المعقولات الأوّليّة مع اقتصار النظر إليه و عدم ملاحظة ما فيها من المميّزات الوجوديّة و العدميّة، و هذا النحو الرابع من لحاظ الماهيّة في وعاء المعقولات الثانويّة هو المعبّر عنه ب (لحاظ الماهيّة اللابشرط المقسمي) لأنّه إنّما يصلح لإراءة الجامع المشترك بين الأنحاء الثلاثة للحاظ الماهيّة التي هي في وعاء المعقولات الأوّليّة فهو مقسم لها و ليس قسماً رابعاً في عرضها.
و لا يخفى أنّ مميّز هذا النحو الرابع من أنحاء لحاظ الماهيّة في وعاء المعقولات الثانويّة عن الأنحاء الثلاثة الاولى التي هي في عرضه ضمن هذا الوعاء مميّز عدميّ محض و هو عبارة عن عدم ملاحظة شيء من المميّزات الوجوديّة و العدميّة لأنحاء لحاظ الماهيّة في وعاء المعقولات الأوّليّة.
و هكذا لو قدّر للإنسان أن ينتزع عن هذه اللحاظات الأربع التي هي في وعاء المعقولات الثانويّة صوراً ذهنيّة جديدةً في وعاء المعقولات الثالثة لحصل على خمسة أنحاء للحاظ الماهيّة في هذا الوعاء، و هي عبارة عن ملاحظة تلك الأنحاء الأربعة بما فيها من المميّزات الوجوديّة و العدميّة بإضافة نحو جديد من اللحاظ و هو لحاظ القدر المشترك بينها فحسب بدون ملاحظة ما فيها من مميّزات، و هكذا سيزداد نحو جديد من اللحاظ كلّما صعدنا مرتبة في وعاء المعقولات، و النحو الجديد من اللحاظ الذي يزداد في كلّ مرتبة من مراتب المعقولات يعتبر مقسماً لأنحاء اللحاظ التي هي في المرتبة السابقة عليها.
و لا يرد على ذلك إشكال استحالة التسلسل، لأنّ الذهن البشري مهما كان قادراً على الصعود في مراتب المعقولات فقدرته محدودة و ستنتهي إلى حدّ معيّن لا محالة