دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٤٥ - الفور و التراخي، و المرّة و التكرار
واحدٍ أو أكثر [١]. فلو قال الآمر: (تصدَّقْ) تحقّق الامتثال بإعطاء فقيرٍ واحدٍ درهماً، كما يتحقّق بإعطاء فقيرين درهمين في وقتٍ واحد. و أمّا إذا تصدّق المكلّف بصدقتين مترتّبتين زماناً، فالامتثال يتحقّق بالفرد الأوّل خاصّة [٢].
[١] و هذا تابع لقاعدة (أنّ الطبيعة يكفي في وجودها وجود فرد واحد، و لا يكفي في انعدامها إلّا انعدام جميع الأفراد) و لا يفي بذلك مجرّد كون الإطلاق بدليّاً لا شموليّاً، لأنّ كون الإطلاق بدليّاً لا شموليّاً إنّما يعني أنّ الحكم المنصبّ على هذه الطبيعة حكم واحد و لا ينحلّ إلى عدّة أحكام بعدد أفرادها، و لا يعرف بعد ذلك أنّ هذا الحكم الواحد المنصبّ على هذه الطبيعة هل يكفي في امتثالها إيجاد فرد واحد من تلك الطبيعة أو لا بدّ من إيجاد جميع أفرادها إلّا بانضمام القاعدة المذكورة. و سيأتي توضيح ذلك في التنبيه الثالث من تنبيهات بحث الإطلاق. و بهذا يظهر أنّ عدم اقتضاء الأمر للتكرار تابع لمجموع أمرين: الأوّل: أنّ إطلاق متعلّق الأمر بدلي و ليس شموليّاً. و الثاني: أنّ الطبيعة توجد بوجود فرد واحد و لا تنعدم إلّا بانعدام جميع الأفراد
[٢] حاصل الكلام: أنّ ما ذُكر- من كون إطلاق متعلّق الأمر بدليّاً لا شموليّاً من ناحيةٍ، و كون الطبيعة توجَد بوجود فردٍ واحد و لا تنعدم إلّا بانعدام جميع الأفراد من ناحية اخرى- و إن كان يقتضي جواز الاكتفاء بفردٍ واحد في مقام الامتثال، و لكنّه يقتضي التفصيل- بلحاظ إمكان تحقّق الامتثال بأكثر من فرد واحد و عدم إمكان ذلك- بين ما إذا أوجد المكلّف أكثر من فردٍ واحد من تلك الطبيعة في لحظة زمانيّة واحدة، و بين ما إذا أوجده لا في لحظة زمانيّة واحدة بل مع اختلاف الزمان، فإن أوجد ذلك في لحظةٍ زمانيّةٍ واحدة تحقّق الامتثال بمجموع تلك الأفراد، و إن أوجده مع اختلاف الزمان تحقّق الامتثال بالفرد الأوّل فحسب و خرج باقي الأفراد عن إطار امتثال ذلك الأمر.
و السرّ في ذلك أنّ مقتضى الإطلاق البدلي في متعلّق الأمر- كما ذكرنا- كون التكليف واحداً و غير منحلّ إلى عدّة تكاليف بعدد الأفراد، و هذا يعني أنّ التكليف متعلّق بصرف الوجود من تلك الطبيعة لا بمطلق الوجود، و إلّا لانحلّ إلى عدّة تكاليف بعدد الأفراد، و من الواضح أنّ الطلب المتعلّق بالطبيعة على نحو صرف الوجود يتحقّق امتثاله بإخراج تلك الطبيعة من العدم إلى الوجود، فإذا وُجدت أفراد عديدة من تلك الطبيعة في لحظة زمانيّة واحدة فقد خرجت تلك الطبيعة من العدم إلى الوجود بمجموع تلك الأفراد، فيتحقّق الامتثال بها من حيث المجموع، و إذا وُجدت أفراد عديدة منها مع اختلاف الزمان فقد خرجت تلك الطبيعة من العدم إلى الوجود بالفرد الأوّل لا بباقي الأفراد فيكون الامتثال متحقّقاً بالفرد الأوّل، و تكون باقي الأفراد خارجةً عن إطار امتثال ذلك الأمر