دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٦٧ - وفاء الدليل بدور القطع الطريقي و الموضوعي
غير أنّك عرفت في بحث التعارض من الحلقة السابقة [١] أنّ الدليل الحاكم إنّما يكون حاكماً إذا كان ناظراً إلى الدليل المحكوم، و دليل الحجِّية لم يثبت كونه ناظراً إلى أحكام القطع الموضوعي، و إنّما المعلوم فيه نظره إلى تنجيز الأحكام الواقعية المشكوكة خاصّةً إذا كان دليل الحجِّية للأمارة هو السيرة العقلائية، إذ لا انتشار للقطع الموضوعيّ في حياة العقلاء لكي تكون سيرتهم على حجِّية الأمارة ناظرةً إلى القطع الموضوعيّ و الطريقيّ معاً [٢].
[١] تحت عنوان: (الحكم الأوّل: قاعدة الجمع العرفي)
[٢] توضيح ذلك: أنّ العقلاء يتعاملون عادةً مع القطع بوصفه طريقاً للكشف عن المقطوع فيرتّبون آثار المقطوع عند حصول القطع به سواء في مجال الآثار التكوينيّة أو في مجال الآثار التشريعيّة. مثال الأوّل: ما إذا قطع الرجل بقدوم صاحبه من السفر فيقوم بزيارته، فإنّ غرض الزيارة إنّما هو من آثار ذات قدوم صاحبه من السفر و ليس القطع إلّا وسيلةً للكشف عن موضوع هذا الغرض لكي يتحرّك نحو تحصيله. و مثال الثاني: ما إذا أمر المولى عبده بسقي الحديقة متى ما يبست أرضها ثمّ حصل القطع للعبد بيبوسة أرضها فقام بسقي الحديقة، فإنّ الغرض التشريعي المتعلّق بالسقي إنّما هو من آثار ذات يبوسة الأرض و ليس قطع العبد إلّا وسيلةً للكشف عن موضوع هذا الغرض لكي يتحرّك نحو تحصيله. و الأغراض العقلائيّة عادةً من هذا القبيل بمعنى أنّ موضوعاتها امور واقعيّة و ليس القطع دخيلًا فيها و إنّما هو وسيلة للكشف عنها، فهو قطع طريقيّ و ليس موضوعيّاً إلّا في فرض ما إذا لم يكن الغرض مترتّباً على ذات الأمر الواقعي بل كان مترتّباً على القطع به كما إذا كان الغرض التشريعيّ المتعلّق بالسقي غير مترتّب على ذات يبوسة الأرض بل كان مترتّباً على القطع باليبوسة و هذا يستدعي أن لا يأمره بالسقي حين يبوسة الأرض بل يأمره بالسقي حين حصول القطع له باليبوسة، و من الواضح أنّ مثل هذا الغرض إن كان موجوداً في حياة العقلاء فهو نادر جدّاً، و هذا يعني أنّ القطع الموضوعيّ إن كان موجوداً في حياة العقلاء فهو نادر جدّاً.
وعليه فإذا كان الدليل على حجّية أمارة- كخبر الثقة مثلًا- عبارة عن السيرة العقلائيّة فسوف لا نستفيد منه النظر إلى آثار القطع الموضوعي حتّى بناءً على مسلك الطريقيّة القائل بأنّ دليل حجّية الأمارة يجعل الظنّ علماً، و ذلك لأنّ هذا الجعل الاعتباري إن كان قد ورد في دليل لفظيّ فقد يدّعى ظهوره في النظر إلى آثار القطع الطريقيّ و الموضوعيّ معاً فيولّد فرداً جديداً اعتباريّاً لموضوع تلك الآثار و تتمّ به قاعدة الحكومة، و أمّا لو لم يرد هذا الجعل في دليل لفظيّ و إنّما أثبتنا جعل الظنّ علماً بالسيرة العقلائيّة فمن المسلّم حينئذٍ عدم استفادة النظر إلى آثار القطع الموضوعيّ من هذه السيرة، لما قلنا من أنّ القطع الموضوعيّ إن كان موجوداً في حياة العقلاء فهو نادر جدّاً، فكيف يمكن- حينئذٍ- أن تكون سيرتهم على العمل بالظنّ الناشئ من خبر الثقة- مثلًا- ظاهرةً في النظر إلى آثار القطع الموضوعيّ. و بما أنّ النظر شرط في جريان قاعدة الحكومة- كما جاء في المتن- فهي غير جارية في المقام، و بالتالي لا يثبت قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي بدليل الحجّية