دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٦٠ - وفاء الدليل بدور القطع الطريقي و الموضوعي
بل عقلي- و هو حكم العقل بالمنجِّزية و المعذِّرية- فكيف يمكن التنزيل؟
و قد تخلّص بعض المحققين [١] عن الاعتراض برفض فكرة التنزيل و استبدالها بفكرة جعل الحكم التكليفيِّ على طبق المؤدّى، فإذا دلّ الخبر على وجوب السورة حكم الشارع بوجوبها ظاهراً، و بذلك يتنجَّز الوجوب، و هذا هو الذي يطلق عليه مسلك (جعل الحكم المماثل) [٢].
[١] كالمحقّق الأصفهاني (رحمه الله) في نهاية الدراية ٣: ٥٩، حيث قال- بعد بحث طويل في قيام الأمارات مقام القطع الطريقي و الموضوعي-: «فالتحقيق أنّ اعتبار المؤدّى واقعاً أو اعتبار الأمارة إحرازاً لا يصحّ إلّا على الوجه الثالث من دون لزوم كون الحكومة واقعيّةً، فإنّ التوسعة أو التضييق عنواني لا حقيقيّ، فهو جعل الحكم المماثل على طبق المؤدّى ...» و هذا ما استفاده صاحب الكفاية (رحمه الله) أيضاً من أدلّة الاستصحاب، كما صرّح به في التنبيه السابع من تنبيهات بحث الاستصحاب
[٢] وجه التخلّص عن الاعتراض المذكور بهذا المسلك أنّ المنجّزية و المعذّرية بناءً على هذا المسلك تترتّبان على الحكم الجديد الذي يجعله المولى على طبق مؤدّى الأمارة أو الأصل، بمعنى أنّ هذا الحكم الجديد يتنجّز على العبد لا الحكم الواقعي المشكوك، و هذا الحكم الجديد لا بدّ و أن يكون قطعيّاً وجداناً، و إلّا ترتّب عليه حكم ظاهري آخر بجعل جديد أيضاً على طبق مؤدّاه، و هكذا حتّى نصل إلى حكم قطعي نهائي، و هو الذي يتنجّز على العبد دون الأحكام المشكوكة، فلا يرد عليه ما ورد على مسلك التنزيل من أنّ المنجّزيّة و المعذّريّة حكمان عقليّان غير قابلين للجعل من قبل الشارع، و موضوعهما عقلًا هو الحكم المقطوع به، فكيف يمكن للشارع إسراؤهما إلى الحكم المشكوك بمجرّد التنزيل، فإنّ هذا الإشكال إنّما يرد فيما إذا اريد ترتيب التنجيز و التعذير على الحكم المشكوك وجداناً بعد تنزيل الشكّ منزلة اليقين أو تنزيل المشكوك منزلةَ المتيقّن، و صاحب هذا المسلك- أعني مسلك جعل الحكم المماثل- لا يريد ترتيب التنجيز و التعذير على الحكم المشكوك حتّى يرد عليه ذلك، بل إنّما يريد ترتيبهما على الحكم المقطوع بالقطع الوجداني، و هذا لا إشكال فيه من هذه الناحية، و إن أمكن الإشكال عليه من نواحي اخرى كاستلزامه للتضادّ مع الحكم الواقعي على فرض بقاء الحكم الواقعي على حاله، و استلزامه للتصويب على فرض زواله و تبدّله بهذا الحكم الجديد