دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٠٥ - الحجّية على مبنى حقّ الطاعة
و الجواب على هذه المناقشة: أنّ هذا الترخيص لمَّا كان من أجل رعاية الإباحة الواقعيّة في موارد خطأ القاطعين فكلّ قاطعٍ يعتبر نفسه غير مقصودٍ جدّاً بهذا الترخيص؛ لأنّه يرى قطعه بالتكليف مصيباً، فهو بالنسبة إليه ترخيص غير جادّ [١]، و قد قلنا في ما سبق: إنّ حقّ الطاعة
[١] توضيح ذلك: أنّ الترخيص الذي يحمل روح الأحكام الظاهريّة إنّما يكون جادّاً بشأن المكلّف فيما إذا أمكن تأثيره- في نظر هذا المكلّف- في حفظ الملاكات الاقتضائيّة للمباحات الواقعيّة الموجودة بشأنه في دائرة الخلط و الاشتباه، و هذا ما يمكن تحقّقه في دائرة التكاليف المشكوكة، فإنّ الإنسان الشاكّ لو ورد بشأنه الترخيص في جميع موارد شكّه لأمكن تأثير ذلك- بحسب رؤية هذا الإنسان الشاكّ- في حفظ الملاكات الاقتضائيّة للمباحات الواقعيّة الموجودة في تلك الدائرة، لأنّه يحتمل وجود هذه الملاكات في كلّ مورد من موارد شكّه، و أمّا دائرة التكاليف المقطوعة، بعد فرض اختلاط الملاكات الإلزاميّة و الملاكات الترخيصيّة فيها بسبب عدم مطابقة قطع المكلّف للواقع في بعضها، فلا يمكن أن يكون الترخيص فيها مؤثّراً- حسب نظر هذا الإنسان القاطع- في حفظ الملاكات الاقتضائيّة للمباحات الواقعيّة الموجودة في تلك الدائرة، و ذلك لأنّ هذا الإنسان القاطع يرى قطعه مصيباً للواقع دائماً، ففي كلّ مورد قطع بثبوت التكليف فيه يرى ورود الترخيص فيه مضيّعاً لملاكٍ لزومي واقعي فحسب، و لا يحتمل كونه حافظاً لملاك ترخيصيّ واقعي أبداً، لأنّه غير خاطئ في قطعه هذا حسب رأيه، و لا يحتمل أن يكون الملاك الواقعي الموجود فيه ملاكاً ترخيصيّاً على خلاف ما قطع به، حتّى يأتي الترخيص الظاهري لحفظه، و مثل هذا الرأي سيحصل له في كلّ موردٍ من موارد قطعه، و بالتالي سوف يعتقد بأنّ هذا الترخيص الظاهريّ الوارد في دائرة قطوعه لا يمكن أن يؤثّر شيئاً في حفظ ملاك اقتضائي لإباحة واقعيّة في هذه الدائرة أصلًا، و هذا يعني أنّ مثل هذا الترخيص ليس جادّاً بشأنه حتّى يستطيع أن يمنع عن منجزيّة قطعه في تلك الدائرة.
و هل يختصّ هذا البيان بموارد العلم التفصيلي بالتكليف، أو يشمل موارد العلم الإجمالي أيضاً؟ فهذا ما سيأتي الكلام حوله في بحث العلم الإجمالي