دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٦٥ - شبهة التضادّ و نقض الغرض
ضمنها، فهو منع ظاهريّ ناشئ من مبغوضية المحرّمات الواقعية و الحرص على ضمان اجتنابها.
و في مقابل ذلك إن كانت الإباحة في المباحات الواقعية ذات ملاكٍ لا اقتضائيّ فلن يجد المولى ما يحول دون إصدار المنع المذكور، و هذا المنع سيشمل الحرام الواقعيّ و المباح الواقعيّ أيضاً إذا كان محتمل الحرمة للمكلّف، و في حالة شموله للمباح الواقعيّ لا يكون منافياً لإباحته؛ لأنّه- كما قلنا- لم ينشأ عن مبغوضية نفس متعلّقه، بل عن مبغوضية المحرّمات الواقعية و الحرص على ضمان اجتنابها.
و أمّا إذا كانت الإباحة الواقعية ذات ملاكٍ اقتضائيٍّ، فهي تدعو- خلافاً للحرمة- إلى الترخيص في كلّ ما يحتمل إباحته، لا لأنّ كلّ ما يحتمل إباحته ففيه ملاك الإباحة، بل لضمان إطلاق العنان في المباحات الواقعية الموجودة ضمن محتملات الإباحة، فهو ترخيص ظاهريّ ناشئ عن الملاك الاقتضائيّ للمباحات الواقعية و الحرص على تحقيقه [١].
[١] و حينئذٍ يقع التزاحم- في حسابات المولى لحفظ الملاكات الواقعيّة- بين ملاكات المحرّمات الواقعيّة التي تدعو إلى تعميم المنع على كلّ ما يحتمل حرمته، و بين الملاكات الاقتضائيّة للإباحات الواقعيّة التي تدعو إلى تعميم الترخيص على كلّ ما يحتمل إباحته. و هذا ما اصطلح عليه استاذنا الشهيد (رحمه الله) بالتزاحم الحفظي، أو التزاحم في مقام حفظ الملاكات الواقعيّة، كما عبّر عنه أيضاً بتزاحم الحكمين بلحاظ (عالم المحرّكيّة) و ذلك في مقابل نوعين آخرين من التزاحم، و هما:
١- التزاحم بلحاظ (عالم الملاك) في متعلّق حكمٍ واحد، و المراد بذلك اجتماع ملاكات متضاربة في فعل واحد، فإنّ المولى حينما يريد أن يجعل حكماً على فعل معيّن لا بدّ و أن يحسب حساب تزاحم الملاكات في ذلك الفعل من المصالح و المفاسد، و يختار الحكم المناسب له بعد الكسر و الانكسار بين تلك الملاكات. و قد نبّه المحقّق الخراساني (رحمه الله) على هذا المعنى من التزاحم.
٢- التزاحم بلحاظ (عالم الامتثال) في متعلّقي حكمين مختلفين، و المراد بذلك ضيق قدرة المكلّف عن امتثال تكليفين مختلفين كوجوب الصلاة و وجوب إنقاذ الغريق، من دون أن يجتمع ملاكان في فعل واحد، و قد نبّه المحقّق النائيني (رحمه الله) على هذا المعنى من التزاحم، و أشاد عليه ما أشاد من قواعد باب التزاحم.
و أمّا التزاحم الذي نبّه عليه السيّد الشهيد (رحمه الله) في هذا الباب فليس هو بلحاظ (عالم الملاك) في متعلّق واحد، و لا بلحاظ (عالم الامتثال) في متعلّقين، بل هو بلحاظ (عالم المحرّكيّة) من قبل المولى تجاه قسمين أو أكثر من الملاكات الواقعيّة عند الخلط و الاشتباه. و لأجل المزيد من التوضيح حول ذلك يمكنك الرجوع إلى الجزء الثاني من القسم الثاني من كتاب (مباحث الاصول) الصفحة ٤٩ إلى ٥٣