دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٧٨ - دلالات التقرير
فكم فرقٍ بين سيرة العقلاء على ملكيّة الحائز و سيرتهم على حجّية قول اللغوي [١]؛ لأنَّ السيرة الاولى تقتضي سلوكاً لا يُقرّه الشارع
[١] هذا الكلام جوابٌ على ما قد يرد على الاستشكال المذكور من النقض عليه بالسيرة القائمة بين العقلاء بلحاظ مرحلة الواقع، إذ قد يقال: ما الفرق بين السيرة العقلائيّة بلحاظ مرحلة الواقع، مثل سيرتهم على ملكيّة الحائز، و بين السيرة العقلائيّة بلحاظ مرحلة الظاهر، مثل سيرتهم على حجّية قول اللغوي؟ فكما أنّ حجّية قول اللغوي و أمثالها من الامور الراجعة إلى مرحلة الظاهر أمرٌ نسبيّ يختلف حاله من شخصٍ إلى شخص، كذلك الملكيّة و أمثالها من الامور الراجعة إلى مرحلة الواقع، فإنّها أيضاً أمرٌ نسبيّ يختلف حاله من شخصٍ إلى شخص، ضرورة أنّ الملكيّة قد يبني عليها العقلاء بما هم عقلاء، و قد يبني عليها الشارع بما هو شارع، فكما أنّ الحجّية التي يبني عليها العقلاء غير الحجّية التي يبني عليها الشارع، و بالتالي ليس سكوت الشارع عن الاولى دليلًا على الثانية، كذلك الملكيّة بالحيازة التي يبني عليها العقلاء غير الملكيّة بالحيازة التي يبني عليها الشارع، و بالتالي ليس سكوته أيضاً عن الاولى دليلًا على الثانية، فمن يستشكل في استنباط الحكم الظاهري من السيرة القائمة بين العقلاء بلحاظ مرحلة الظاهر، لا بدّ و أن يستشكل أيضاً في استنباط الحكم الواقعي من السيرة القائمة بين العقلاء بلحاظ مرحلة الواقع.
و حاصل الجواب عن ذلك أنّ بناء العقلاء على الملكيّة بالحيازة، أو على إناطة التصرّف في ملك الغير بطيب نفسه و إن لم يأذن لفظيّاً، أو غير ذلك من الامور الراجعة إلى مرحلة الواقع، تترتّب عليه آثار عمليّة في سلوك الناس في نفس مجال الآثار العمليّة التي تترتّب على بناء الشارع تبارك و تعالى على هذه الامور، فالملكيّة بالحيازة مثلًا سواء كانت صادرةً من العقلاء أنفسهم أو كانت صادرةً من الشارع تبارك و تعالى بشأنهم فآثارها العمليّة في حياة العقلاء مشتركة، و كذلك جواز التصرّف في ملك الغير بطيب نفسه و غير ذلك من الامور الراجعة إلى مرحلة الواقع، و هذه الآثار المشتركة إن لم يكن يرضى بها الشارع تبارك و تعالى لا يمكنه أن يكتفي بعدم بنائه هو على هذه الملكيّة أو على هذا الجواز، و يجعل الناس أحراراً في بنائهم من قبل أنفسهم على مثل هذا الحكم الوضعي أو التكليفي، لأنّ هذا سوف يضرّ بأغراض الشارع تبارك و تعالى بلحاظ تلك الآثار المشتركة و إن تجنّب هو عن البناء على ذلك الحكم.
وعليه فإذا سكت الشارع تبارك و تعالى عن بناء العقلاء في مثل هذه الامور الراجعة إلى مرحلة الواقع سوف نستكشف من سكوته هذا أنّه راضٍ لا ببناء العقلاء على تلك الأحكام فحسب، بل إنّه راضٍ بتلك الآثار العمليّة المشتركة التي تعبّر عن قبوله هو أيضاً بالبناء على تلك الأحكام، و بذلك يتمّ استكشاف الحكم الواقعي من سكوت الشارع تجاه السيرة القائمة بين العقلاء في مرحلة الواقع.
و هذا بخلاف السيرة القائمة بين العقلاء بلحاظ مرحلة الظاهر، كسيرتهم على العمل بقول اللغوي أو على العمل بخبر الثقة أو غير ذلك من الأمارات الظنّية، حتّى و إن كان عملهم هذا بصدد تحصيل الأغراض التشريعيّة المولويّة فيما بينهم- إمّا فعلًا أو فرضاً و تقديراً- لا بصدد تحصيل الأغراض الشخصيّة التكوينيّة فحسب، و ذلك لأنّ هؤلاء الموالي من العقلاء و إن كانوا قد يعارضون الشارع تبارك و تعالى و يضيّعون أغراضه في الحدود التي ليست ولايتهم فيها شرعيّة سواء جعلوا الأمارة الظنّية المعيّنة حجّةً في تلك الحدود أو لا، و لكن على الشارع حينئذٍ أن يردع عن أصل ولايتهم في تلك الحدود و ينبّه على عدم مشروعيّتها من الأساس، و بهذا تخرج المسألة عن محلّ الكلام و لا تصل النوبة إلى الردع عن بنائهم على حجّية الأمارة الظنّية التي بنوا على حجّيتها ضمن تلك الحدود.
و أمّا في الحدود التي تكون ولايتهم فيها شرعيّةً فلا توجد آثار عمليّة مشتركة بين حجّية تلك الأمارة من قبل هؤلاء و حجّيتها من قبل الشارع تبارك و تعالى حتّى يكون سكوت الشارع عن الاولى دليلًا على رضاه بالثانية، كما هو كذلك في السيرة العقلائيّة على مرحلة الواقع، إذ المفروض بهؤلاء أنّ مولويّتهم شرعيّة، و المولويّة الشرعيّة إنّما تكون في الحدود التي لا تعارض أحكام الشريعة، إذاً فالأوامر و النواهي التي تصدر من قبل هؤلاء في حدود ولايتهم الشرعيّة على المولّى عليهم يختلف مجالها عن مجال الأحكام الشرعيّة الصادرة من قبل الشارع تبارك و تعالى، و ليست حجّية تلك الأمارة الظنّية من قبل هؤلاء الموالي بلحاظ أوامرهم و نواهيهم مضرّةً بالأغراض الشرعيّة الإلهيّة في فرض عدم حجّيتها من قبل الشارع تبارك و تعالى بلحاظ أوامره و نواهيه، و ذلك لاختلاف مجال هذه الأوامر و النواهي عن تلك، إذاً فسكوت الشارع عن عمل هؤلاء بتلك الأمارة الظنّية سوف لا يكون دليلًا على حجّيتها من قبله تبارك و تعالى في مجال الأحكام الشرعيّة الصادرة عنه، و إن دلّ على عدم منعه لهؤلاء عن بنائهم على حجّيتها في حدود أوامرهم و نواهيهم