دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٧٥ - دلالات التقرير
سيرة كلِّ عاقلٍ اتّجهت إلى أنّه إذا قُدِّر له أن يمارس حالةً آمريّةً يجعل قول اللغويِّ حجّةً على مأموره، و من الواضح أنّ السيرة بهذا المعنى لا تفوِّت على الشارع الأقدس غرضه، حتّى إذا لم يكن قد جعل قول اللغويِّ حجّةً و منجِّزاً و معذِّراً بالنسبة إلى أحكامه؛ و ذلك لأنّ هذه السيرة يمارسها كلّ مولىً في نطاق أغراضه التشريعيّة مع مأموريه، و لا يهمّ الشارع الأغراض التشريعيّة للآخرين [١].
[١] حاصل بيان الاستشكال بلحاظ المقام الثاني أنّ سكوت المعصوم (عليه السلام) عن السيرة القائمة بين العقلاء على العمل بقول اللغوي مثلًا أو على العمل بأيّ أمارة ظنّية اخرى، بصدد تحصيل الأغراض التشريعيّة المولويّة بين الآمرين و المأمورين من العقلاء أنفسهم، لا دلالة فيه أيضاً على جعل الحجّية الظاهريّة شرعاً لتلك الأمارة، و ذلك لأنّ عمل هؤلاء العقلاء بقول اللغوي مثلًا في المقام المذكور و إن كان يعبّر عن بنائهم على حجّية قول اللغوي تنجيزاً و تعذيراً بين الآمرين و المأمورين من العقلاء أنفسهم، و لكنّ سكوت الشارع عن ذلك لا يعني مشاركته لهم في مثل هذا البناء بالنحو الذي يُستكشف منه بناؤه هو أيضاً على حجّية قول اللغوي تنجيزاً و تعذيراً بينه و بين مأموريه بلحاظ الأوامر التي تصدر منه تبارك و تعالى تجاههم.
توضيح ذلك: أنّ الحجّية لكلّ أمارةٍ من الأمارات الظنّية لا يمكن اتّخاذ القرار بها من قبل أيّ شخصٍ تجاه أيّ شخصٍ آخر، و بلحاظ الأوامر الصادرة من أيّ آمرٍ تجاه أيّ مأمور، بل إنّما يمكن اتّخاذ القرار بها من كلّ مولىً من الموالي تجاه عبيده بلحاظ الأوامر الصادرة عنه تجاههم، و ذلك لأنّ جعل الحجّية تنجيزاً و تعذيراً من شئون المولى و ليس من شئون العبد، فلكلّ مولىً- بعد فرض صحّة أصل مولويّته و حقّ طاعته على عبيده- أن يجعل ما يريد من الأمارات الظنّية حجّةً على عبيده تنجيزاً و تعذيراً بلحاظ الأوامر و النواهي الصادرة عنه هو تجاههم، و بجعله هذا تصبح تلك الأمارة حجّةً في حدود دائرة مولويّة هذا المولى، أي في حدود الأوامر و النواهي الصادرة عنه هو بمقتضى مولويّته تجاه عبيده، دون الأوامر و النواهي الصادرة من باقي الموالي تجاه عبيدهم، و هذا يعني أنّ الحجّية أمرٌ نسبي تختلف باختلاف الموالي و باختلاف حدود مولويّاتهم، فلربّما تكون أمارة من الأمارات الظنّية حجّةً من قبل مولىً من الموالي في حدود الأوامر و النواهي الصادرة عنه تجاه عبيده، و لا تكون حجّةً من قبل مولىً آخر بلحاظ الأوامر و النواهي الصادرة عنه تجاه عبيده.
و حينئذٍ لو افترضنا وجود موالي و عبيد بين العقلاء، و رأينا أنّ هؤلاء جميعاً يبنون على حجّية أمارةٍ من الأمارات الظنّية كقول اللغوي مثلًا، فهذا يعني أنّ كلّ واحد من هؤلاء الموالي قد جعل تلك الأمارة حجّةً بينه و بين عبيده، بل ربّما تكون السيرة العقلائيّة أوسع من ذلك بحيث تشمل كلّ واحدٍ من العقلاء على تقدير مولويّته، و إن لم يكن مولىً بالفعل، و هذا يعني أنّ العقلاء قد بنوا على حجّية تلك الأمارة من قبل كلّ واحدٍ منهم على فرض مولويّته في حدود الأوامر و النواهي التي تصدر منه تجاه عبيده على هذا الفرض، و لكنّ هذا كلّه لا يعني و لا يستلزم كون الشارع تبارك و تعالى بصفة مولويّته على عباده قد جعل تلك الأمارة حجّةً أيضاً عليهم بلحاظ الأوامر و النواهي الشرعيّة الصادرة عنه تبارك و تعالى تجاههم، حتّى و إن كان قد سكت أمام هذه السيرة العقلائيّة، و ذلك لما قلنا من أنّ الحجّية أمرٌ نسبيّ يختلف حالها بلحاظ كلّ مولىً عن حالها بلحاظ مولىً آخر، إذاً فالحجّية التي بنى عليها العقلاء- و لو على تقدير كونهم موالي- و سكت عنها الشارع غير الحجّية التي نريد إثباتها للشارع، فتلك هي الحجّية الصادرة من كلّ واحدٍ من العقلاء على تقدير مولويّته بلحاظ الأوامر و النواهي الصادرة عنه تجاه عبيده على هذا التقدير، و هذه هي الحجّية التي نريد إثبات صدورها من الشارع تبارك و تعالى بلحاظ أوامره و نواهيه تجاه عباده، فكيف يكون السكوت عن تلك الحجّيات دالّاً على هذه الحجّية و مثبتاً لها؟ رغم أنّ مجال تلك الحجّيات و حدود دائرتها تختلف تماماً عن مجال هذه الحجّية و حدود دائرتها.
نعم لو أخذنا بعين الاعتبار أنّ هؤلاء الموالي من العقلاء، بل العقلاء كلّهم الذين بنوا على حجّية تلك الأمارة على تقدير مولويّتهم، هم جميعاً عبيد للشارع تبارك و تعالى، و من حقّ الشارع- على أساس مولويّته عليهم- أن يمنعهم عن جعل الحجّية لتلك الأمارة في علاقتهم بعبيدهم على تقدير مولويّتهم، فغاية ما يدلّ عليه سكوته عنهم حينئذٍ أنّه لا يمنعهم عن ذلك بل يجوّز لهم البناء على تلك الحجّية على تقدير مولويّتهم، و هذا أيضاً لا يعني بناءَه هو تبارك و تعالى على حجّية تلك الأمارة بلحاظ أوامره و نواهيه تجاه عباده.
و هكذا يظهر أنّ سكوت المعصومين عليهم الصلاة و السلام أمامَ السيرة العقلائيّة على العمل بقول اللغوي مثلًا أو على العمل بأيّ أمارةٍ من الأمارات الظنّية لا يدلّ على حجّية تلك الأمارة شرعاً، حتّى و إن كانت هذه السيرة قائمةً بين العقلاء لا بصدد تحصيل الأغراض الشخصيّة التكوينيّة فحسب بل بصدد تحصيل الأغراض التشريعيّة المولويّة أيضاً.
و إلى هنا تمّ توضيح أصل الاستشكال في استنباط الحكم الشرعي الظاهري من خلال سكوت المعصوم أمامَ السيرة القائمة بين العقلاء بلحاظ مرحلة الظاهر.
و قبل الورود في حلّ هذا الاستشكال يحاول السيّد الشهيد (رحمه الله) أن يعمّق الاستشكال المذكور أكثر من ذي قبل بالردّ على ما قد يُعترض به عليه فلاحظ