دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٤٣ - مفهوم الشرط
و استتباعه للجزاء، كما عرفنا سابقاً [١].
فعلى الأوّل يتمّ إثبات المفهوم بلا حاجةٍ إلى ما افترضه المحقّق النائينيّ (رحمه الله) من إطلاقٍ مقابلٍ للتقييد ب (أو)؛ و ذلك لأنّ الجزاء متوقّف على الشرط بحسب الفرض، فلو كان يوجد بدون الشرط لمَا كان متوقّفاً عليه.
و على الثاني لا يمكن إثبات الانحصار و المفهوم بما سمّاه الميرزا بالإطلاق المقابل ل (أو)؛ لأنّ وجود علّةٍ اخرى لا يضيّق من دائرة الربط الاستلزاميِّ بين الشرط و الجزاء، فلا يكون العطف ب (أو) تقييداً لمِا هو مدلول الخطاب ليُنفى بالإطلاق، بل إفادة لمطلبٍ إضافي، و ليس كلّما سكت المتكلّم عن مطلبٍ إضافيٍّ أمكن نفيه بالإطلاق، ما لم يكن المطلب المسكوت عنه مؤدِّياً إلى تضييقٍ و تقييدٍ في دائرة مدلول الكلام [٢].
[١] في ضابط المفهوم
[٢] توضيح ذلك: أنّه قد سبق في الحلقة الماضية التفريق بين الإطلاق اللفظي المعتمد على قرينة الحكمة العامّة، و بين الإطلاق المقامي الذي يحتاج إلى قرينةٍ خاصّة في كلّ موردٍ بحسبه.
فالإطلاق اللفظي هو الإطلاق الذي يراد به نفي شيءٍ لو كان ثابتاً لكان قيداً في الصورة الذهنيّة التي يتحدّث عنها اللفظ، و هذا يتوقّف على وجود صورة ذهنيّة للمتكلّم تحدّث عنها في الكلام و أبرزها بلفظ معيّن و شككنا في اشتمالها على قيدٍ زائدٍ على ما ذكره في الكلام الذي تحدّث به عنها، فمقتضى قرينة الحكمة في مثل ذلك خلوّ تلك الصورة الذهنيّة عن ذلك القيد في مراد المتكلّم كما هي خالية عنه في الكلام الذي سيق للتحدّث عنها.
و أمّا الإطلاق المقامي فهو الإطلاق الذي يراد به نفي شيءٍ لو كان ثابتاً لكان صورةً ذهنيّةً مستقلّةً عن الصور الذهنيّة التي تحدّث عنها في الكلام، و لم يكن قيداً في شيءٍ من الصور الذهنيّة التي أبرزها المتكلّم في كلامه، و قد مثّلنا له هناك بقول القائل: «الفاتحة جزءٌ في الصلاة، و الركوع جزءٌ فيها، و السجود جزء فيها ...» و لم يذكر السورة، فلو أردنا أن نستكشف عدم جزئيّة السورة في الصلاة من عدم ذكرها في هذا الكلام كان هذا إطلاقاً مقاميّاً، لأنّ جزئيّة السورة على تقدير صدقها ليست قيداً في شيءٍ من الصور الذهنيّة التي أبرزها المتكلّم في هذا الكلام، بل هي صورة ذهنيّة مستقلّة يراد نفيها عن المراد بالسكوت عنها في اللفظ، و مثل هذا الإطلاق لا يمكن إثباته بقرينة الحكمة العامّة، بل هو بحاجة إلى قرينةٍ خاصّةٍ في كلّ موردٍ بحسبه.
و فيما نحن فيه، الإطلاق الذي يقابل التقييد ب (أو)- بحسب تعبير المحقّق النائيني (رحمه الله)- يكون من هذا القبيل، و ذلك لأنّه على تقدير كون الربط المبرز في الكلام بين الشرط و الجزاء عبارةً عن النسبة الاستلزاميّة التي هي بمعنى استلزام الشرط للجزاء، لا النسبة التوقّفيّة التي هي بمعنى توقّف الجزاء على الشرط، فسيكون إبراز المتكلّم لاستلزام الشرط الذي ذكره في الكلام للحكم المذكور في الجزاء كإبراز جزئيّة بعض أجزاء الصلاة في المثال المتقدّم، و يكون عدم ذكره لاستلزام شيءٍ آخر غير الشرط لذلك الحكم كعدم ذكر جزئيّة السورة في ذلك المثال، و كما أنّ جزئيّة السورة على فرض صدقها لا تشكّل قيداً في جزئيّة باقي الأجزاء التي ذكرها في الكلام و إنّما تشكّل صورةً ذهنيّةً جديدةً غير مذكورة في الكلام، كذلك استلزام ذلك الشيء الآخر للحكم المذكور في الجزاء على فرض صدقه لا يشكّل قيداً في استلزام الشرط له الذي ذكره في الكلام، و إنّما يشكّل صورةً ذهنيّةً جديدة غير مذكورة في الكلام، إذاً فما لم تقم قرينة خاصّة على أنّ المتكلّم في مقام بيان كلّ ما يستلزم هذا الحكم لم يمكن نفي استلزام شيءٍ آخر له بمجرّد عدم ذكره بالعطف ب (أو).
و الشاهد على أنّ استلزام شيءٍ آخر لذلك الحكم على تقدير صدقه لا يشكّل قيداً في استلزام الشرط له بل يشكّل صورةً ذهنيّةً مستقلّةً أنّ استلزام الشرط للحكم المذكور في الجزاء لا يتضيّق و لا يتحصّص باستلزام شيء آخر أيضاً لنفس ذلك الحكم، و لو كان قيداً فيه لتضيّقت دائرته به و اختصّ بالحصّة التي يتواجد فيها القيد، في حين أنّه ليس كذلك، بل هما استلزامان مستقلّان على فرض صدقهما معاً، و مجرّد كون التعبير اللغوي عنهما بالعطف ب (أو) لا يعني كون أحدهما قيداً في الآخر