دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٣١ - مفهوم الشرط
ثالثاً: إذا سلّمنا استفادة علّية الشرط للجزاء من التفريع نقول: إنّ كون الشرط علّةً تامّةً للجزاء لا يقتضيه مجرّد تفريع الجزاء على الشرط؛ لأنّ التفريع يناسب مع كون المفرَّع عليه جزءَ العلّة [١]، و إنّما
[١] الهدف النهائي من هذا الإشكال هي المناقشة في استفادة الانحصار من الإطلاق الأحوالي المذكور، و لكنّه إنّما بدأ بالمناقشة في دلالة تفريع الجزاء على الشرط على كون الشرط علّةً تامّةً للجزاء لأنّه ما لم تتمّ دلالة الجملة الشرطيّة على العليّة التامّة لا تتمّ دلالة الإطلاق الأحوالي المذكور على الانحصار بالبيان الماضي، و ذلك لأنّ الانحصار إنّما كان يثبت بالإطلاق الأحوالي للشرط، من خلال دلالة هذا الإطلاق على أنّ كون الشرط علّة تامّة للجزاء لا يختصّ بحالة عدم اقترانه بشيء آخر بل يشمل حالة اقترانه به أيضاً، في حين أنّ ذلك الشيء الآخر إن كان صالحاً أيضاً لإيجاد هذا الجزاء خرج الشرط عن كونه علّة تامّة في حالة اقترانه به، و هذا منفي بالإطلاق الأحوالي المذكور، فيثبت عدم صلاحيّة الشيء الآخر لإيجاد هذا الجزاء كي لا يخرج الشرط عن كونه علّة تامّةً للجزاء حتّى عند اقترانه به كما يقتضيه الإطلاق الأحوالي.
و بهذا يظهر أنّ هذا الإطلاق الأحوالي يريد أن يعمّم صفة العليّة التامّة للشرط على حالة ما إذا اقترن هذا الشرط بشيءٍ آخر، فلا بدّ من دلالة الجملة مسبقاً على العليّة التامّة حتّى يستطيع الإطلاق الأحوالي أن يعمّمها على تلك الحالة، و إلّا لو لم تكن الجملة الشرطيّة دالّةً مسبقاً على العليّة التامّة لم يكن يمكن للإطلاق الأحوالي أن يعمّمها، لأنّ تعميمها حينئذٍ من السالبة بانتفاء الموضوع، و هذا يعني أنّ الأرضيّة اللازمة لإثبات الانحصار بالإطلاق الأحوالي للشرط بالبيان المذكور عبارةٌ عن دلالة الجملة الشرطيّة مسبقاً على كون الشرط علّة تامّة للجزاء.
و على هذا الأساس بدأ السيّد الشهيد (رحمه الله) في ملاحظته هذه على الوجه المذكور بالمناقشة في الدالّ الذي طرحه صاحب هذا الوجه على كون الشرط علّةً تامّةً للجزاء، و هو عبارة عن تفرّع الجزاء على الشرط، فإنّ تفرّع الجزاء على الشرط كما هو صادق في فرض كون الشرط علّةً تامّة للجزاء، هو صادق أيضاً في فرض كونه جزءَ العلّة لا تمامَ العلّة، فإنّ المعلول كما هو متوقّف و متفرّع على تمام العلّة، كذلك هو متوقّف و متفرّع على كلّ جزء من أجزاء العلّة، غاية الأمر أنّ تفرّعه و توقّفه هذا على كلّ جزءٍ من تلك الأجزاء يختصّ بحالة اجتماع تلك الأجزاء، لأنّها في حال اجتماعها يكون كلّ واحد منها دخيلًا في التأثير على المعلول، لا في حال تحقّق بعضها دون بعض، إذاً فأصل تفرّع المعلول و توقّفه على جزء العلّة ثابت و إن كان مختصّاً ببعض الحالات، و هذا يعني أنّ تفرّع الجزاء على الشرط لا يثبت كون الشرط تمام العلّة، بل يلائم كونه جزء العلّة أيضاً، و إن كان التفرّع حينئذٍ في بعض الحالات لا في جميع الحالات.
نعم قد يمكن التمسّك بالإطلاق الأحوالي للشرط لإثبات أنّ تفرّع الجزاء على الشرط من نوع تفرّع المعلول على تمام العلّة، لا من نوع تفرّعه على جزء العلّة، و ذلك لأنّ ظاهر إطلاق ما دلّ على تفريع الجزاء على الشرط أنّه متفرّع عليه حتّى في حالة عدم انضمامه إلى جزء آخر، و هذا لا يكون إلّا في فرض كون الشرط علّةً تامّةً للجزاء.
و الفرق بين هذا الإطلاق الأحوالي و الإطلاق الأحوالي الذي اريد به إثبات الانحصار أنّ هذا الإطلاق الأحوالي يراد به إثبات شمول الحكم بتفريع الجزاء على الشرط لحالة عدم اقتران الشرط بشيء آخر، و أمّا ذاك الإطلاق الأحوالي فكان يراد به إثبات شمول الحكم بالعليّة التامّة للشرط لحالة اقترانه بشيء آخر لا لحالة عدم اقترانه به.
و على كلّ حال فمجرّد تفرّع الجزاء على الشرط لا دلالة فيه على تماميّة العلّة، نعم لو تمّت دلالته على أصل العليّة أمكن التمسّك بإطلاقه لإثبات تماميّتها بالبيان المذكور