دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣١٩ - ضابط المفهوم
المحاولة الهادفة لإثبات المفهوم تمسّكاً بالإطلاق الأحواليّ للشرط لإثبات كونه مؤثّراً على أيِّ حال، سواء سبقه شيء آخر أوْ لا، ثمّ لاستنتاج انحصار العلّة بالشرط من ذلك، إذ لو كانت للجزاء علّة اخرى لَما كان الشرط مؤثّراً في حال سبق تلك العلّة [١]، فإنّ هذا انتزاع
[١] يبدو أنّ البيان المذكور وجهٌ من وجوه البرهنة على الانحصار بعد فرض ثبوت أصل اللزوم العلّي بوجهٍ آخر، كدعوى استفادة اللزوم من الأداة بالوضع و استفادة العليّة من تفريع الجزاء على الشرط أو من أيّ دالٍّ آخر.
و حاصل البرهان المذكور أنّ الإطلاق الأحوالي للشرط يدلّ على أنّ عليّة الشرط للجزاء المستفادة من تلك الوجوه الاخرى لا تختصّ بحالٍ من أحوال الشرط دون حالٍ آخر من تلك الأحوال، و هذا يعني أنّ الشرط هو العلّة المؤثّرة في تحقيق الجزاء سواء في حال كونه مسبوقاً بتحقّق شيء آخر- ممّا يتوقّع أن يكون علّةً اخرى بديلة عنه لتحقّق الجزاء- أو في حال عدم كونه مسبوقاً بشيء من هذا القبيل.
ففي مثال: «إذا زارك شخص فأكرمه» سيكون الإطلاق الأحوالي للشرط دالّاً على أنّ الزيارة هي العلّة المؤثّرة لتحقيق وجوب الإكرام سواء في حال كونه مسبوقاً بما يحتمل عليّته أيضاً لوجوب الإكرام- ككونه فقيراً، أو مريضاً، أو عالماً، أو نحو ذلك- أو في حال عدم كونه مسبوقاً بذلك.
و هذا يدلّ بالالتزام على عدم صلاحيّة ذلك الشيء الآخر للتأثير العلّي، إذ لو كان صالحاً للتأثير العلّي لكان هو العلّة المؤثّرة في تحقيق الجزاء في حال سبقه على الشرط، دون الشرط نفسه، ضرورة أنّ المعلول ينتسب دائماً إلى العلّة السابقة زماناً عند توالي العلل المتعدّدة على معلول واحد، فإذا كان الشرط هو العلّة المؤثّرة في تحقيق الجزاء حتّى في حال كونه مسبوقاً بذلك الشيء الآخر- كما هو مقتضى إطلاقه الأحوالي- ثبت بذلك أنّ ذلك الشيء ليس صالحاً للعليّة.
فكلّ شيءٍ- ما عدا الشرط- احتملنا كونه علّةً أيضاً لتحقيق الجزاء أمكن نفي عليّته بالإطلاق الأحواليّ المذكور للشرط، و بذلك يثبت انحصار العليّة بالشرط.
و لا يخفى أنّ البيان المذكور للتمسّك بالإطلاق الأحوالي للشرط لإثبات الانحصار و إن كان قريباً من البيان الذي سيأتي لذلك في الوجه الثالث من وجوه الاستدلال على دلالة الجملة الشرطيّة على المفهوم، و لكنّه يختلف عنه بما سيأتي توضيحه هناك إن شاء اللَّه تعالى فانتظر