دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣١٤ - ضابط المفهوم
قاعدة احترازية القيود و لو لم نفترض مفهوماً [١].
[١] كأنّ استاذنا الشهيد (رحمه الله) بعد أن وضّح دخالة الركن الثاني و تأثيره في التوصّل إلى انتفاء طبيعي الحكم عند انتفاء القيد، و أنّه لو لا تماميّة هذا الركن لما دلّ الركن الأوّل وحده إلّا على انتفاء شخص الحكم عند انتفاء القيد، أراد أن يؤكّد على أنّ الغرض من المفهوم ليس هو التوصّل إلى انتفاء شخص الحكم عند انتفاء القيد حتّى يمكن الاستغناء عن الركن الثاني، بل الغرض من المفهوم عبارة عن التوصّل إلى انتفاء طبيعي الحكم عند انتفاء القيد، فاستشهد على ذلك بأنّه إن كان الغرض هو التوصّل إلى انتفاء شخص الحكم عند انتفاء القيد لأمكن التوصّل إلى هذا الغرض بغير المفهوم أيضاً، و ذلك بالتمسّك بقاعدة احترازيّة القيود فإنّها وحدها تكفي للتوصّل إلى انتفاء شخص الحكم عند انتفاء القيد، و هذا يعني أنّنا نستغني حينئذٍ لا عن الركن الثاني فحسب بل عن الركن الأوّل أيضاً، في حين أنّ الحاجة إلى الركن الأوّل مسلّم في باب المفهوم و لا يمكن التنازل عنه، فهذا شاهد على أنّ الغرض المطلوب من المفهوم عبارة عن التوصّل إلى انتفاء طبيعي الحكم لا شخصه، لأنّ هذا هو الغرض الذي يتقوّم لا بالركن الثاني فحسب بل يتقوّم بالركن الأوّل أيضاً بحيث لا يمكن الاستغناء فيه عن الركن الأوّل حتّى بتعويضه بقاعدة احترازيّة القيود، بخلاف التوصّل إلى انتفاء شخص الحكم فإنّه غير متقوّمٍ لا بالركن الثاني و لا بالركن الأوّل كما ذكرنا.
و من هنا يظهر أنّ السيّد الشهيد (رحمه الله) يؤمن بأنّ الغرض المطلوب من المفهوم- و هو التوصّل إلى انتفاء طبيعي الحكم عند انتفاء القيد- كما لا يمكن الاستغناء فيه عن الركن الثاني كذلك لا يمكن الاستغناء فيه عن الركن الأوّل و إن عوّضناه بقاعدة احترازيّة القيود، و هذا يعني أنّ قاعدة احترازيّة القيود لا تستطيع لوحدها أن تؤدّي دور الركن الأوّل.
و لأجل توضيح ذلك لا بدّ و أن نرجع مرّةً اخرى إلى الركن الأوّل لنعمّق النظر في جوهره و حدوده فنقول:
إنّ المطلوب إثباته بالركن الأوّل لأجل التوصّل إلى المفهوم أمرٌ زائد على ما تقتضيه قاعدة احترازيّة القيود، إذ المطلوب إثباته بالركن الأوّل عبارة عن انتفاء الحكم عند انتفاء القيد لا في فرض إرادة حكمٍ شخصيّ خاصّ فحسب بل في فرض إرادة طبيعيّ الحكم أيضاً، بحيث يكون الربط القائم بين الحكم و قيده نوع ربطٍ يستدعي انتفاء الحكم عند انتفائه سواء كان شخصيّاً أو طبيعيّاً، و هذا ما يتمّ في ظلّ النسبة التوقّفيّة و لا يتمّ في ظلّ قاعدة احترازيّة القيود ما لم تكن النسبة توقّفيّةً، لأنّ غاية ما تقتضيه قاعدة احترازيّة القيود- ما لم تكن النسبة توقّفيّة- عبارة عن انتفاء شخص الحكم عند انتفاء القيد لا أكثر، حتّى إذا كان المراد بالحكم طبيعيّاً لا شخصيّاً، و ذلك لأنّ تطبيق هذه القاعدة على قيدٍ يكون ارتباطه بالحكم استلزاميّاً لا توقّفيّاً إنّما يعني أنّ هذا القيد كما هو دخيل في استلزام الحكم إثباتاً بالدلالة التصوّريّة و التصديقيّة الاولى، هو دخيل كذلك في استلزام الحكم ثبوتاً بالدلالة التصديقيّة الثانية، و هذا إنّما يعني تحقّق طبيعة ذلك الحكم عند تحقّق ذلك القيد على فرض إرادة معنى الطبيعي من ذلك الحكم، و لا يعني انتفاء تلك الطبيعة عند انتفائه، و بما أنّ الطبيعة توجد بوجود فردٍ واحد نعرف دخالة ذلك القيد في تحقّق فردٍ واحد على أقلّ تقدير من طبيعة ذلك الحكم، فلا يثبت سوى انتفاء ذلك الفرد عند انتفائه، و لا يوجد هناك ما يدلّ على انتفاء باقي أفراد تلك الطبيعة عند انتفاء ذلك القيد.
و هذا بخلاف ما إذا كانت النسبة توقّفيّة فإنّها كما تقتضي تحقّق تلك الطبيعة عند تحقّق ذلك القيد تقتضي أيضاً انتفاء تلك الطبيعة عند انتفائه، لأنّ التوقّف يستبطن معنى التلازم في السلب و الإيجاب معاً لا في الإيجاب فحسب، و بما أنّ الطبيعة لا تنتفي إلّا بانتفاء جميع أفرادها ننتهي إلى انتفاء جميع أفراد تلك الطبيعة عند انتفاء ذلك القيد.
و هكذا يتّضح أنّ روح الركن الأوّل و جوهره الذي تتوقّف عليه دلالة الجملة على المفهوم عبارة عن وفاء الجملة بالدلالة على الربط الذي يستدعي الانتفاء عند الانتفاء لا في فرض إرادة حكمٍ شخصي خاصّ فحسب، بل حتّى في فرض إرادة طبيعيّ الحكم و سنخه، و هذا ما يتحقّق في ظلّ النسبة التوقّفيّة و لا يتحقّق في ظلّ قاعدة احترازيّة القيود، و هذا ما يستفاد منه في الردّ على نظريّة المحقّق العراقي (رحمه الله) في ضابط المفهوم كما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى.
و لا يخفى أنّ هذا التفسير للركن الأوّل لا يغنينا عن الركن الثاني، و ذلك لأنّ غاية ما يقتضيه الركن الأوّل بحسب التفسير المذكور أنّ المنتفي عند انتفاء الشرط في الجملة الشرطيّة مثلًا هو المعنى المراد بالحكم المطروح في الجزاء، سواء كان المعنى المراد به حكماً شخصيّاً خاصّاً أو حكماً طبيعيّاً مطلقاً، و ما لم يثبت كون المراد به حكماً طبيعيّاً مطلقاً لا يثبت انتفاء الحكم الطبيعي المطلق عند انتفاء الشرط، و الركن الثاني هو الذي يضمن لنا إرادة الحكم الطبيعي المطلق بما ورد في الجزاء، و بضمّ ذلك إلى الركن الأوّل تتمّ دلالة الجملة على المفهوم.
و قد أطنبت هنا في توضيح هذين الركنين لما شعرت به من ضرورة الحاجة إلى ذلك لا في الردّ على نظريّة المحقّق العراقي (رحمه الله) فحسب بل في فهم بعض المطالب الاخرى القادمة أيضاً كما ستعرف إن شاء اللَّه تعالى