دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٣ - تعريف علم الاصول
أمّا الملاحظة الاولى فتندفع: بأنّ المراد بالحكم الشرعيّ الذي جاء في التعريف: جعل الحكم الشرعيّ على موضوعه الكلّي [١]؛ فالقاعدة الاصوليّة ما يستنتج منها جعل من هذا القبيل، و القاعدة الفقهيّة هي بنفسها جعل من هذا القبيل، و لا يستنتج منها إلّا تطبيقات ذلك الجعل و تفصيلاته.
ففرق كبير بين حجّية خبر الثقة و القاعدة الفقهيّة المشار إليها؛ لأنّ الاولى يثبت بها جعل وجوب السورة تارةً، و جعل حرمة العصير العنبيّ اخرى، و هكذا، فهي اصوليّة. و أمّا الثانية فهي جعل شرعيّ للضمان على موضوعٍ كلّي [٢]، و بتطبيقه على مصاديقه المختلفة- كالإجارة و البيع مثلًا- نثبت ضماناتٍ متعدّدةً مجعولةً كلّها بذلك الجعل الواحد [٣].
[١] فإنّ الأحكام الشرعيّة تجعل عادةً في مقام التشريع على موضوعات كليّة مقدّرة الوجود- على نحو القضيّة الحقيقيّة- و مهما تكاثرت مصاديق الموضوع لكلّ حكم شرعيّ يبقى جعل ذلك الحكم واحداً، فحرمة شرب الخمر مثلًا قد جعلت من قبل المولى- تبارك و تعالى- بجعلٍ واحدٍ موضوعه (الخمر) و مهما تكاثرت مصاديق هذا الموضوع بقي الجعل واحداً، و ليست حرمة هذه الخمرة أو تلك إلّا تطبيقات لذلك الجعل الواحد
[٢] و هو عنوان (ما يضمن بصحيحه) مثلًا
[٣] قد تقول: ما الفرق بين قاعدة (حجيّة خبر الواحد) و قاعدة (ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده)؟ فكما أنّ القاعدة الثانية مجعولة بجعل واحد و ليس الضمان الحاصل في البيع، و الضمان الحاصل في الإجارة، و الضمان الحاصل في كلّ عقد من العقود الاخرى التي يضمن بصحيحها، إلّا تطبيقات لذلك الجعل الواحد. كذلك القاعدة الاولى مجعولةٌ بجعل واحد، و ليست الحجّية الحاصلة في الخبر الدالّ على وجوب السورة، و الحجيّة الحاصلة في الخبر الدالّ على حرمة العصير العنبي، و الحجيّة الحاصلة في كلّ خبر آخر من أخبار الثقات، إلّا تطبيقات لذلك الجعل الواحد.
و الجواب: صحيحٌ أنّ الحجّيات الظاهريّة الحاصلة في صغريات القاعدة الاولى مجرّد تطبيقات للحجيّة المجعولة بجعل واحد في تلك القاعدة، فهي من هذه الناحية كالضمانات الحاصلة في صغريات القاعدة الثانية، و لكن بما أنّ كلّ تطبيق من تطبيقات القاعدة الاولى- أي كلّ حجيّة من تلك الحجيّات الظاهريّة- يشكّل إثباتاً تنجيزيّاً أو تعذيريّاً لحكم واقعيّ خاصّ بمورد ذلك التطبيق، كالحكم الواقعي بوجوب السورة، و الحكم الواقعي بحرمة العصير العنبي، إلى غير ذلك، و كلّ حكم من هذه الأحكام الواقعيّة- على فرض وجوده في الواقع- مجعول بجعل مستقلّ عن الآخر، لهذا أصبحت هذه القاعدة صالحةً لاستنباط جعول شرعيّة متعدّدة من الأحكام الواقعيّة المشكوكة، بعد تفسير الاستنباط بالإثبات التنجيزي و التعذيري. و ليست هذه الجعول الشرعيّة المتعدّدة للأحكام الواقعيّة المشكوكة مجرّد تطبيقات لذلك الجعل الواحد.
و هذا بخلاف القاعدة الثانية، فإنّ الضمانات المتعدّدة التي تحصل في صغرياتها، مجرّد تطبيقات للضمان المجعول بجعلٍ واحد في تلك القاعدة، و ليس وراءَها ضمانات واقعيّة متعدّدة مشكوكة يراد إثباتها بهذه الضمانات حتّى ينتهي إلى استنباط جعول مستقلّة كما في القاعدة الاولى