دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٢٨ - القسم الأوّل ما يدلّ على الطلب بلا عناية
و أمّا الثالث فهو خروج عن محلّ الكلام؛ لأنّ الكلام في الوجوب الواقعيّ الذي يشترك فيه الجاهل و العالم، لا في المنجِّزية [١].
[١] توضيح خروج هذا الوجه عن محلّ الكلام: أنّ المتخاصمين في تفسير دلالة الأمر على الوجوب و إن اختلفوا في أنّ هذه الدلالة هل هي دلالة وضعيّة، أو دلالة عقليّة، أو دلالة إطلاقيّة، و لكنّهم متّفقون على أنّ الوجوب المستفاد من الأمر من سنخ الأحكام الواقعيّة التي يشترك فيها العالم و الجاهل، و ليس من باب تعيين الموقف العملي بالتنجيز أو التعذير عند الشكّ في حكم أسبق، فهم في مقام تفسير و تحليل هذا المعنى من الوجوب، لا في مقام تعيين الموقف العملي عند الشكّ في الحكم الواقعي، و قد ادّعى أصحاب القول الثاني أنّ هذا الوجوب إنّما يستفاد من الأمر بدلالةٍ عقليّة لا بدلالةٍ لفظيّة، و ذلك لأنّ الأمر لا دلالة فيه لفظاً إلّا على ذات الطلب، و أمّا اتّصافه بالوجوب فهو على أساس حكم العقل بوجوب امتثال أمر المولى معلّقاً على عدم ورود الترخيص من قبله في مورد ذلك الأمر، فإن حملنا ذلك على معنى عدم صدور الترخيص من المولى في الواقع و بقطع النظر عن وصوله إلى المكلّف و عدم وصوله إليه- كما هو مقتضى الوجه الأوّل و الثاني من الوجوه الأربعة التي ذكرناها- كان ذلك من سنخ الأحكام الواقعيّة التي يشترك فيها العالم و الجاهل، فهو داخل في محلّ الكلام، و أمّا إن حملنا ذلك على معنى عدم وصول الترخيص من قبل المولى إلى المكلّف- كما هو مقتضى الوجه الثالث و الرابع من تلك الوجوه- فهذا يعني حكم العقل بوجوب الامتثال رغم احتمال كون الحكم الواقعي الصادر من المولى ترخيصيّاً، و هذا من سنخ الأحكام الظاهريّة الجارية لتعيين الموقف العملي عند الشكّ في حكم شرعي مسبق، غاية الأمر أنّه حكم ظاهريّ عقلي و ليس حكماً ظاهريّاً شرعيّاً، فهو من قبيل ما يدّعيه أصحاب نظريّة حقّ الطاعة من حكم العقل بوجوب الامتثال عند الشكّ في التكليف الواقعي معلّقاً على عدم وصول الترخيص من قبل المولى إلى المكلّف، فإنّ أصحاب نظريّة حقّ الطاعة يؤمنون بهذا الحكم العقلي المعلّق على عدم وصول الترخيص في جميع موارد الشكّ في التكليف، و هؤلاء- بناءً على حمل كلامهم على المعنى الأخير- يؤمنون بالحكم العقلي المذكور المعلّق على عدم وصول الترخيص أيضاً في خصوص الشكّ في التكليف الناشئ من وصول أمرٍ من قبل المولى دالٍّ على مطلق الطلب.
و على كلّ حال فإنّ هذا مرجعه إلى سنخ الأحكام الظاهريّة الجارية لتعيين الموقف العملي عند الشكّ في حكمٍ شرعي مسبق، كما ذكرنا، فهو خارج عن محلّ الكلام.
و بما ذكرنا يظهر أنّ الوجه الثالث من الوجوه الأربعة التي ذكرناها في تفسير مراد هؤلاء بعدم ورود الترخيص، يشترك مع الوجه الرابع من تلك الوجوه في الإشكال الذي شرحناه، لأنّهما معاً يجعلان موضوع الوجوب عبارة عن عدم وصول الترخيص لا عدم صدوره، كما أنّه كان مشتركاً مع الوجه الأوّل من تلك الوجوه في الإشكال الوارد عليه، لأنّهما معاً كانا يجعلان موضوع الوجوب عبارةً عن عدم ورود الترخيص المتّصل فحسب بقطع النظر عن الترخيص المنفصل