دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٥٧ - وفاء الدليل بدور القطع الطريقي و الموضوعي
أولًا: أنّنا ننكر قاعدة قبح العقاب بلا بيانٍ رأساً.
و ثانياً: أنّه لو سلّمنا بالقاعدة فهي مختصّة بالأحكام المشكوكة التي لا يعلم بأهمّيتها على تقدير ثبوتها، و أمّا المشكوك الذي يعلم بأنّه على تقدير ثبوته ممّا يهتمّ المولى بحفظه و لا يرضى بتضييعه فليس مشمولًا للقاعدة من أوّل الأمر، و الخطاب الظاهريّ- أيّ خطابٍ ظاهريّ [١]- يبرز اهتمام المولى بالتكاليف الواقعية في مورده على تقدير ثبوتها، و بذلك يخرجها عن دائرة قاعدة قبح العقاب بلا بيان [٢].
[١] سواءً كان أمارةً أو أصلًا عمليّاً
[٢] توضيح ذلك: أنّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان- لو سلّمنا بها- فهي ذات دائرة ضيّقة من أساسها بحكم العقل فلا تشمل موارد قيام الحكم الظاهريّ بثبوت التكليف، و ذلك لأنّ الحكم الظاهريّ عبارة عن الخطاب الذي يعيّن الأهمّ من الملاكات و المبادئ الواقعيّة حين يتطلّب كلّ نوع منها الحفاظ عليه بنحو يزاحم ما يضمن به الحفاظ على النوع الآخر- كما مضى توضيحه بالتفصيل في بحث الجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي- ففي مورد الشكّ في الحكم الواقعيّ لو لم يصل إلينا حكم ظاهريّ بثبوت التكليف كان يعني ذلك أنّنا لا نعلم بأنّ هذا الحكم الواقعيّ المشكوك- على تقدير ثبوته- أهمّ من الأحكام الواقعيّة الاخرى التي وقع التزاحم بينه و بينها في مقام الحفظ، و في مثل ذلك تجري قاعدة قبح العقاب بلا بيان- بناءً على التسليم بها- و أمّا إذا وصلنا حكم ظاهري بثبوت التكليف فهذا يعني حصول العلم لنا بأنّ الحكم الواقعيّ المشكوك- على تقدير ثبوته- أهمّ من الأحكام التكليفيّة الاخرى التي وقع التزاحم بينه و بينها في مقام الحفظ، و في مثل ذلك لا تجري القاعدة المذكورة لأنّ العقل لا يحكم بقبح العقاب في هذا الفرض و إن حكم به في الفرض السابق. و بهذا يظهر أنّه متى ما قام حكم ظاهريّ بثبوت التكليف خرج الحكم الواقعيّ المشكوك في مورده عن دائرة قبح العقاب بلا بيان لضيق دائرة هذه القاعدة من أوّل الأمر و ليس ذلك تخصيصاً في القاعدة العقليّة حتّى يقال باستحالة ذلك.
و لا يخفى أنّ هذا الجواب و إن كان مبتنياً على التسليم بأصل قاعدة قبح العقاب بلا بيان، لكنّه يناسب مباني السيّد الشهيد (رحمه الله) في تفسير حقيقة الأحكام الظاهريّة و كيفيّة الجمع بينها و بين الأحكام الواقعيّة، و أمّا الأصحاب الذين سلكوا مسالك اخرى في تفسير هذه الأحكام و كيفيّة الجمع بينها و بين الأحكام الواقعيّة فلسان حالهم- بل ظاهر لسان مقالهم أيضاً في بعض كلماتهم- الموافقة أيضاً على ضيق دائرة قبح العقاب بلا بيان و لكن بالنحو المناسب لمسالكهم، بمعنى أنّ كلّ فريقٍ منهم يجعل الحكم الظاهري بالتفسير الذي يذهب إليه رافعاً لموضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان، كما سيأتي التصريح بذلك في المتن على مبنى المحقّق النائيني (رحمه الله) في تفسير الحكم الظاهري، حيث يجعل المنجّزية و المعذّرية على هذا المبنى ثابتين للقطع الجامع بين الوجود الحقيقي و الاعتباري، فإنّ هذا تعبير آخر عن كون الحكم الظاهري بحسب هذا التفسير رافعاً لموضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و ذلك لاختصاص هذه القاعدة في رأي صاحب هذا المسلك بالتكليف المشكوك الذي لم يتعلّق به علم اعتباري.
إذاً فصاحب كلّ مسلك في تفسير الحكم الظاهري يجعل قاعدة قبح العقاب بلا بيان مختصّةً بحالة عدم قيام الحكم الظاهري- بحسب ذلك التفسير- على ثبوت التكليف، و هذا يعني أنّ المقصود باللّابيان عندهم في قاعدة «قبح العقاب بلا بيان»- بحسب لسان حالهم أو مقالهم- عبارة عن عدم البيان القطعي لا على الحكم الواقعي فحسب بل على الحكم الواقعي و الظاهري معاً، مهما كان تفسير الحكم الظاهري عندهم، فيكون البيان القطعي على كلّ من الحكم الواقعي و الظاهري كافياً عندهم لدفع موضوع هذه القاعدة، و لهذا تمّ الاتّفاق بينهم عمليّاً على قيام الأمارات و الاصول مقام القطع الطريقي من حيث المنجّزية و المعذّرية.
إذاً فالسيّد الشهيد (رحمه الله) و إن جعل هذه القاعدة- بناءً على التسليم بها- مختصّةً بصورة عدم وصول حكم ظاهري على ثبوت التكليف بحسب تفسيره هو للحكم الظاهري، و لكنّ هذا لا يعني أنّ الأصحاب يرون سعة دائرة هذه القاعدة من حيث وصول الحكم الظاهري و عدمه بحسب تفاسيرهم للحكم الظاهري.
نعم يمكن أن نضع كلّ مسلك من مسالك الأصحاب في تفسير الحكم الظاهري موضعاً للدرس و البحث من حيث إنّه هل يناسب تضييق دائرة قاعدة قبح العقاب بلا بيان على أساسه بحيث لا تشمل حالة قيام الحكم الظاهري على ثبوت التكليف أو لا يناسب ذلك، و هذا ما صنعه السيّد الشهيد (رحمه الله) بلحاظ بعض المسالك من خلال الاستشكال الثاني