دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٤٩ - تبعية الدلالة الالتزامية للدلالة المطابقية
قد يقال: إنّ مجرّد تفرّع الدلالة الالتزامية على الدلالة المطابقية وجوداً لا يبرِّر تفرّعها عليها في الحجِّية أيضاً [١].
[١] توضيح ذلك: أنّه لا شكّ في أنّ الكلام ما لم توجد له دلالة مطابقيّة لا تحصل له دلالة التزاميّة أيضاً، سواء كان المدلول الالتزامي مساوياً في الصدق للمدلول المطابقي أو أعمّ منه، و هذا يعني أنّ في عالم الدلالة توجد علاقة الترتّب و التفرّع بين هاتين الدلالتين من حيث الوجود، بمعنى أنّ وجود الدلالة الالتزاميّة في عالم الدلالة منوط و مرتبط بوجود الدلالة المطابقيّة في هذا العالم، بقطع النظر عن وجود مدلوليهما في عالم الخارج.
و قد يتوهّم أنّ هذا التفرّع و الارتباط بين الدلالتين من حيث الوجود يكفي لإثبات التفرّع و الارتباط بينهما أيضاً من حيث الحجّية.
و لعلّ هذا التوهّم ناشئ من تخيّل أنّ سقوط الدلالة الالتزاميّة عن الحجّية يعني زوال تلك الدلالة و سلب وجودها عن عالم الدلالة أصلًا، ممّا يؤدّي إلى زوال الدلالة الالتزاميّة أيضاً، فتنتفي حجّيتها أيضاً بانتفاء موضوعها، و هذا يعني التلازم بين التفرّع في الوجود و التفرّع في الحجّية.
و الصحيح أنّ سقوط الدلالة المطابقيّة عن الحجّية لا يعني زوال أصل تلك الدلالة، ضرورة أنّ كلّ دليلٍ يكون دالّاً على معناه حتّى و إن لم يكن حجّةً في إثباته، فإذا سقطت الدلالة المطابقيّة عن الحجّية بسبب من الأسباب- كوجود معارضٍ لها أو نحو ذلك- سيكون أصل تلك الدلالة باقياً، و إذا ظلّ أصل تلك الدلالة باقياً ستظلّ الدلالة الالتزاميّة باقيةً أيضاً، و مجرّد سقوط حجّية الدلالة الاولى لا يعني سقوط حجّية الدلالة الثانية أيضاً، ما لم تبتلِ بمثل ما ابتلت به الدلالة الاولى من معارضٍ و نحوه. و هذا يعني أنّ الدلالة الالتزاميّة و إن كانت متفرّعة على الدلالة المطابقيّة و مرتبطةً بها من حيث الوجود بالمعنى الذي ذكرناه، و لكنّ هذا لا يبرّر تفرّعها عليها و ارتباطها بها من حيث الحجّية أيضاً، لعدم ثبوت التلازم بين التفرّع في الوجود و التفرّع في الحجّية في هاتين الدلالتين