تاريخ الفقه الجعفري - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٧٢ - عناية الإسلام بالمرأة
فلم يكن اثر المرأة في هذه الحياة بأقل من أثر الرجل، و لم تكن فيها عاملا ثانويا و لا مجرد شهوة و موضع متعة، و إنما هي عامل له من الأثر ما للرجال، و إذا عرف كل منهما مكانه و قام برعاية واجبه، استقام أمر الأسرة و من وراء ذلك يستقيم أمر الجماعة، و ان الباحث في تعاليم الإسلام و سيرة رسوله الكريم يرى مقدار عنايته بها و رعايته لحقها و مساواتها للرجال في كل شيء حتى في المسجد و الجمعة و الجماعة و مجالس الوعظ و الإرشاد، و لم يكن يبخل عليها بنصائحه و إرشاداته إذا طلبت منه ذلك، فوق ما يتاح لها أن تشهده مع الرجال، و كثيرا ما كان يردد على مسامع أصحابه ما لها من آثار مجيدة في تكوين الأسرة و سعادة البيت.
أما من الناحية السياسية و الاجتماعية، فالتاريخ غني بالشواهد على ما سجلته من صفحات ناصعة و بطولات و تضحيات في سبيل الإسلام.
و منذ اللحظة الأولى كانت المرأة عاملا إيجابيا له أثره البالغ في تاريخ الإسلام، فأول قلب غزاة هذا الدين المجيد بعد قلب علي (ع) هو قلب خديجة زوجة النبي (ص) و ان الموقف الذي وقفته تلك السيدة الجليلة سيدة المسلمات الأولى من زوجها صاحب الدعوة، و الإسلام لم ينبلج نوره و لم يستبن بعد ضياؤه و العرب كلهم يتواثبون للنقمة منه، هذا الموقف لم يقفه أحد من المسلمين و لا من بني عمه الأقربين إلا إذا استثنينا عليا (ع) غير هذه السيدة الجليلة لقد دخل عليها و قلبه يرتجف حينما أتاه الوحي لأول مرة في أول آية أنزلت عليه من القرآن المجيد:
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ، و لما قص عليها هذا النبإ و مدى خشيته من ذلك، قالت له ببشاشتها التي اعتادت أن تقابله بها:
«و اللَّه، لا يحزنك اللَّه أبدا، إنك تصل الرحم و تحمل الكل و تقرئ