تاريخ الفقه الجعفري - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٢٩٢ - تدوين الحديث و الفقه في عهد التابعين
و بقي التدوين يتطور و يتقدم، كما هو الحال في كل عمل يبرز الى الوجود، ثم ينمو على مرور الزمن، حتى جاء دور العباسيين، فقام العلماء بجمعه مرتبا على أبواب الفقه و فصوله. و كثر المؤلفون في ذلك الدور، و اتخذ التأليف شكلا لم يكن معروفا قبل ذلك العصر [١].
و قد هب العلماء في العصر العباسي، الى تهذيب ما كتب في عصر التدوين الأول، و تدوين ما بقي محفوظا في الصدور، فرتبوه و بوّبوه، و صنفوه كتبا. و قد بذل المنصور في هذا السبيل، الأموال الطائلة، و حث العلماء على بذل الجهد في ذلك، و أشار على مالك أن يضع كتابه (الموطأ)، فألفه (سنة ١٤٧ ه).
لقد بلغ المنصور في عنايته بتدوين الفقه و الحديث و جميع السنن، حدا لم يعرف عن أحد ممن سبقه أو جاء بعده. و لقد قيل له: هل بقي من لذات الدنيا شيء لم تنله؟ قال: بقيت خصلة واحدة، أتمنى ان أصل إليها، هي ان اقعد في مصطبة، و حولي أصحاب الحديث [٢].
و تلك ظاهرة غريبة من أبي جعفر المنصور، لا تنسجم مع سيرته و سياسته، سياسة البطش و قتل الأبرياء و إراقة الدماء، من العلويين و المتشيعين لهم، تلك السياسة التي أنست الناس ظلم الأمويين و استهتارهم بالمقدسات الإسلامية.
لقد أراد المنصور أن يصرف أنظار العلماء و رجال الفكر عن سياسته
[١] أضواء على السنة المحمدية.
[٢] لقد اعتمدنا في عرض هذه المراحل لتدوين الحديث على: تاريخ الفقه الإسلامي و التشريع الإسلامي و أضواء على السنة و تمهيد لتأريخ الفلسفة و السنة قبل التدوين.