تاريخ الفقه الجعفري - هاشم معروف الحسني - الصفحة ١٦٥ - اثر المنع من تدوين الحديث و الفقه على التشريع الإسلامي
و قد اتسعت حاجة الناس الى حملة العلم و حفاظ الحديث باتساع الدولة الإسلامية، بعد ان غزا الإسلام جزءا كبيرا من العالم، و بعد ان انتقل المسلمون من دور تغلب عليه البداوة، الى دور تغلب عليه الحضارة و النعيم و العمران، بسبب اتصالهم بالأمم التي غزاها الإسلام و امتزاجهم بها. فكان من الطبيعي، و قد انتقلوا من حياتهم الأولى، حياة البداوة و البساطة، أن تتضاعف حاجتهم الى الفقه و معرفة الحلال و الحرام و أحاديث الرسول، و تفهم آيات القرآن لتطبيق تصرفاتهم على قواعد الدين و أصوله، لا سيما و ان الدين هو قانون الدولة، و في ضمن حدوده يجب ان تعمل الأمة في جميع نواحي الحياة و مراحل تطورها.
و قد وجد المسلمون، و من بينهم الفقهاء و المحدثون، منفسا للخروج من الحجاز، بسبب الفتوحات الإسلامية و الغزوات و الحروب، فانتشر حملة الفقه و الحديث في جميع الأقطار التي غزاها الإسلام، و التي لا تزال في بداية عهدها بالدين الجديد، ليعلموا الناس أصول الدين و فروعه. و وجد المسلمون الجدد أنفسهم مضطرين إلى معرفة أحكام الإسلام، لأنها نظام الدولة، و على أساسها يجب أن يسير الناس في كل شؤونهم، فرجعوا الى من هاجر إليهم من عاصمة الإسلام، فكان من آثار ذلك ان كثر المحدثون عن الرسول و انتشر الحديث المنسوب اليه، و استغل فريق ممن سكن المدينة و رأى الرسول تقدير الجماهير له و تقديسهم لحديثه، فرووا عنه ما أرادوا، بدافع الكيد للإسلام و التشويه لأصوله و تعاليمه، فكانت الفوضى التي لا بدّ منها في مثل هذه الظروف، بعد ان كان أمر الحديث موكولا الى الحفاظ وحدهم، و ليس عليهم من رقيب سوى دينهم و ضمائرهم.
و لم يكن أحد من فقهاء الصحابة و رواه السنة يحسبون ما سيؤول