تاريخ الفقه الجعفري - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٢٢٩ - أدلة الأحكام عند الشيعة في عهد الصحابة
لهذين الأصلين و حدهما كان يرجع الشيعة، في عهد الصحابة و ما بعده من العصور. و يتبين ذلك مما ذكرناه في الفصول السابقة من آراء علي و بعض الصحابة من الشيعة في الفقه و التشريع. و عند ما يلجأ غيرهم الى الرأي و الاجماع و الاستحسان، للأسباب التي يزعمون أنها تبيح لهم ذلك، يقف الشيعة الى جانب هذين الأصلين وحدهما، معلنين آرائهم في الفقه على أساسهما. و يدل على ذلك رأيهم في المتعة و المسح على القدمين و العول و التعصيب و الطلاق ثلاثا بلفظ واحد، و غير ذلك من موارد الخلاف مع غيرهم من الصحابة، في المسائل التي بدأ الخلاف فيها من عهدهم و استمر حتى اليوم.
أما الاجماع، سواء كان يرتكز على آراء جماعة من الصحابة، كما يقول الخضري، او آراء أهل المدينة، لأنها مهبط الوحي، و أهلها عاشوا مع النبي دهرا طويلا، و عرفوا أسرار ما نزل عليه و عملوا به كما يدعي مالك و أتباعه، او آراء غيرهم من المسلمين، كما يرى الليث بن سعد، فقيه مصر، هذا الاجماع، لا أثر له عند الشيعة. و آراء الفقهاء عندهم، قلت او كثرت، لا تكون دليلا على الحكم، لأنها لا تفيد إلا الظن. و فيه يقول اللّه سبحانه: إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً.* و ليس في الآثار التي رواها انصار الاجماع عن الرسول، و لا في الكتاب، ما يصلح لأن يكون دليلا على اعتبار الظن، الذي يحصل من أقوال الجماعة في أمر من الأمور، قلت او كثرت.
و قد ورد الاجماع على لسان الفقهاء و المحدثين من الشيعة، في العصور المتأخرة عن عصر الصحابة و تابعي التابعين بل و حتى عن عصر الأئمة (عليهم السلام). و يعنون به اتفاق جميع العلماء على الحكم، بنحو يكون الامام (ع) معهم، فحيث يعتبرونه من أصول الأحكام، ذلك