تاريخ الفقه الجعفري - هاشم معروف الحسني - الصفحة ١٨٠ - اثر المنع من تدوين الحديث و الفقه على التشريع الإسلامي
أ تزعمون اني أكذب على اللّه و رسوله و أحرق نفسي بالنار؟! و اللّه لقد سمعت رسول اللّه يقول: لكل نبي حرما و ان حرمي بالمدينة ما بين عير الى ثور، فمن أحدث فيها حدثا فعليه لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين. و أشهد باللّه أن عليا أحدث فيها. و لما بلغ معاوية قوله، أجازه و أكرمه و ولاه امارة المدينة [١].
و قد ذكر الأستاذ أبو ريّة، بعنوان تشيّع أبي هريرة لبني أميّة انه لم يصاحب النبي الا على ملء بطنه، كما ذكر هو مرارا عن نفسه. و انه قد اتخذ الصفة ملاذا لفقرة، يأكل فيها كما يأكل سائر أهلها، و يأكل عند النبي و أصحابه. و من كان هذا شأنه لا يكون و لا جرم الا مهينا لا شأن له و لا خطر. و قد ظل على هذه المهانة زمن النبي (ص) و أبي بكر و عمر. ثم أخذ يظهر في زمن عثمان، بعد انزوائه، و يبدو للناس بعد خفائه.
و لما شبت نار الحرب بين علي و معاوية- و ان شئت فقل لما انبعث الصراع بين الأموية و الهاشمية، بعد ان توارى، فرقا من القوة، في زمن النبي و خليفتيه ابي بكر و عمر، و انقسم المسلمون فرقا- اتجه أبو هريرة إلى الناحية التي يميل إليها طبعه و تتفق مع هوى نفسه، و هي ناحية معاوية، إذ كانت تملك من أسباب السلطان و الترف و المال و النعيم ما لم تملك ناحية علي (ع) التي ليس فيها الا الفقر و الجوع و الزهد.
و ليس بغريب على من نشأ نشأة أبي هريرة و عاش عيشته ان يتنكب الطريق التي تؤدي الى علي، و ان يتخذ سبيله إلى معاوية ليشبع نهمه من ألوان موائده الشهية و يقضي و طره من رفده و صلاته و عطاياه السنية [٢].
[١] شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد ص ٣٥٨- ج ١.
[٢] الاضواء ص ١٨٥.