تاريخ الفقه الجعفري - هاشم معروف الحسني - الصفحة ١٢٦ - المرحلة الثانية من مراحل التشريع
للتبليغ خارج المدينة التي اتخذها المقر الرئيسي لدولته الفتية الناشئة، و قد ذكرنا في الفصل الأول من هذا الكتاب صورا عن التشريع الإسلامي كما نص عليه الكتاب و السنة، و أوردنا نماذج من التشريعات التي وضع أصولها و مبادئها القرآن الكريم، و أتمها الرسول (ص) بأقواله و أفعاله كما أوحى إليه من ربه. و بوفاته انتهت المرحلة الأولى من مراحل التشريع، و انقطعت بوفاته اخبار السماء، و لكنه خلف للبشرية تشريعا كاملا وافيا بحاجاتهم مهما طال الزمان و تطورت الحياة، و لم يبق على المسلمين من بعده الا الرجوع الى الكتاب الكريم و السنة النبوية و التفريع و التطبيق و استلهامهما لإعطاء الحوادث المتجددة حكمها في كل زمان و مكان بالطرق المألوفة في مقام التفاهم.
المرحلة الثانية من مراحل التشريع:
هذه المرحلة تبتدئ بعد وفاة الرسول (ص) حيث انقطع الوحي بوفاته، و لم يعد من سبيل الى المسلمين إلا الرجوع إلى نصوص القرآن و ظواهره، و الى السنة المروية عن الرسول (ص) سواء منها ما كان في مقام التشريع، و ما ورد عنه في أحكام الحوادث، و حل الخصومات و نحو ذلك. و مما لا شك فيه أن المهمة الملقاة على عاتق الصحابة في هذا الدور تتطلب جهدا منهم في تفريع الأحكام و تطبيق الأصول و القواعد العامة على الجزئيات و الموارد المختلفة، ذلك لأن أكثر آيات التشريع قد وضعت المبادئ العامة، و تركت تفصيلها و بيان ماهيتها و كيفيتها الى الرسول (ص)، و بعضها لم يكن صريحا في المراد بنحو يمتنع عن التأويل و لا يتسع لأكثر من معنى، و ما هو نص في مورده من آيات الكتاب الكريم ينحصر في موارد محدودة، و السنة لم تكن مدونة في كتاب مستقل، بل كانت في صدور الحفاظ المتفرقين، و قد أكلت