بيان الأصول - الصافي، الشيخ لطف الله - الصفحة ١١٢ - الأمر الخامس في تأسيس الأصل فيما لا يعلم حجيته
و فقد الدليل على وقوع التعبد بغير العلم، فنقول:
احتج الشيخ (قدّس سرّه) على حرمة التعبد و الاستناد قولا أو عملا بالظن الذي لم يقم على التعبد به دليل بالأدلة الأربعة.
قال: و يكفي من الكتاب قوله تعالى قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ [١] دل على أنّ ما ليس بإذن من اللّه من إسناد الحكم إلى الشرع فهو افتراء.
و من السنة قوله (عليه السلام) في عداد القضاة من أهل النار «و رجل قضى بالحقّ و هو لا يعلم» [٢].
[١]. يونس (١٠): ٥٩.
لا يخفى عليك: أنّ الآيات في هذا المعنى كثيرة، كقوله تعالى لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إلى قوله إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَ الْفَحْشاءِ وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ [البقرة (٢): ١٦٨ و ١٦٩]. و مثل قوله تعالى قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي ... الآية إلى و قوله تعالى وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ [الأعراف (٧): ٣٢ و ٣٣]. و يمكن أن يقال أنّ الآيات القرآنية المذكورة ليست في مقام إنشاء الحكم، و لا يستفاد منها أنّ التعبد بغير العلم محرم شرعا كسائر المحرمات الشرعية، بل الآيات إنّما تكون مسوقة للإرشاد إلى ما هو المرتكز في الأذهان من قبح التعبد و الالتزام بما لم يعلم كونه من قبل اللّه تعالى من غير فرق بين الالتزام القولي و العملي، فإنّ الثاني أيضا إذا كان على سبيل الالتزام و التعبد يكون حاكيا عنه.
و لا يرد على ما ذكر كون أكثر هذه الآيات في مقام المحاجة مع الكفار، فإنّ ملاك الاحتجاج فيها استقلال العقل بقبح إسناد ما لم يعلم أنّه من جانب المولى إليه، فكلها إرشاد إلى حكم العقل، كما لا يخفى [منه دام ظله العالي].
[٢]. الحديث مروي عن الصادق (عليه السلام) قال: القضاة أربعة، ثلاثة في النار، و واحد في الجنة: رجل قضى بجور و هو يعلم به فهو في النار، و رجل قضى بجور و هو لا يعلم فهو-