بيان الأصول - الصافي، الشيخ لطف الله - الصفحة ١٤١ - أدلة الأخباريين
قياس مع الفارق، فإنّ الأوائل إنّما كتبوا ما كتبوا لأجل استفادة أهل الاطلاع و طلبة العلوم خاصة على اصطلاحاتهم دون غيرهم، حتى أنّهم لو أرادوا أن يكتبوا و يبينوا مطالبهم الغامضة لاستفادة العامة لما يمكنهم ذلك، و هذا إنّما يكون من ضعف المتكلم و ضيق دائرة علمه و قدرته على بيان مراده. و لكن أين هذا من القرآن المجيد فإنّه كتاب اللّه الذي أنزله لهداية عباده عالمهم و جاهلهم أبيضهم و أسودهم، و قد بين اللّه تعالى بقدرته الكاملة المطالب العالية- التي لا يمكن أداء حق بيانها إلّا بإلقاء الخطابات المفصلة البليغة- في آية مختصرة بأحسن بيان و أجود تقرير، يستفيد منه العالم و الجاهل، و يبعث كلا منهما إلى العمل و يسوقهما إلى طريق الكمال و الحركة و التفكير، و يوقظ النفوس من نوم الغفلة، و تتحرك به العواطف، و تستعد به النفس الإنسانية لقبول الإفاضات الربانية.
و تأثير القرآن في ذلك إنّما هو من وجوه إعجازه، فإنّه قد بلغ في ذلك حدا لم يمكن أن يبلغ إليه كلام البشر. فالقرآن هو السبب لتحويل أخلاق العرب الجاهلية إلى الأخلاق الكاملة الإنسانية. كما يجد المتتبع في كتب التاريخ أنّه لا يوجد سبب لرقي العرب- في الجهات الروحانية و الاجتماعية و السياسية و غيرها، و رفضها أشد العادات الذميمة و الأخلاق الرذيلة، و تخلقها بالأخلاق الملكوتية، و تجنبها عمّا ينافي شعار التقوى و الفقه و الأمانة و غيرها- إلّا القرآن، فهو القائم بهذه الوظيفة في زمان قليل جدا. كما أنّ تأثيره في النفوس في زماننا هذا أيضا أكثر