بيان الأصول - الصافي، الشيخ لطف الله - الصفحة ٤٩ - تفصيل صاحب الفصول
لملاحظة مآله و عاقبته، بخلاف الحيوان. و هذا هو الملاك في كون الفعل اختياريا، لا مجرد صدوره عن الإرادة.
فالحاصل: أنّ توهم كون القرب و البعد و ما هو ملاك استحقاق العقاب و صحة توبيخ العبد راجعا إلى الذات، فاسد جدا. و تدل على فساده مضافا إلى العقل الآيات الكريمة و الأخبار الشريفة.
قال اللّه تبارك و تعالى يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَ يُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَ غَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَ شَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ [١].
فلو كان العقاب راجعا إلى ما تقتضيه ذات العاصي لما كان مجال لهذا الخطاب، و لما صح توبيخهم بهذا التوبيخ.
و قال أيضا تبارك و تعالى الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [٢] فإنّ خسران النفس ليس بخسران المال، بل المراد منه أنّهم ضيّعوا أنفسهم و اتلفوا الاستعداد و اللياقة الذاتيتين اللتين أعطاهم اللّه تعالى إياهما. و الآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة جدا.
و أمّا الروايات، فمنها: ما روي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «ما من عبد إلّا و في قلبه نكتة بيضاء فإذا أذنب ذنبا خرج في النكتة نكتة سوداء، فإن تاب ذهب ذلك السواد، و إن تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتى يغطي البياض، فإذا غطى البياض لم يرجع صاحبه إلى خير أبدا، و هو قول اللّه
[١]. الأنعام (٦): ١٣٠.
[٢]. الأنعام (٦): ١٢.