الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء(ع) - الأنصاري الزنجاني، إسماعيل - الصفحة ١٤١ - المتن
القوم- و قال لهما: أنيخا الإبل و أعقلاها، و تقدّم فأنزل النسوة. و دنا القوم فاستقبلهم علي (عليه السلام) منتضيا سيفه. فأقبلوا عليه فقالوا: أظننت- إنك يا غدار- ناج بالنسوة؟ ارجع لا أبا لك. قال: فإن لم أفعل؟ قالوا: لترجعنّ راغما أو لترجعنّ بأكثرك شعرا و أهون بك من هالك.
و دنا الفوارس من النسوة و المطايا ليثورونها، فحال علي (عليه السلام) بينهم و بينها. فأهوى له جناح سيفه، فراغ علي (عليه السلام) عن ضربته و تختله؛ فضربه ضربة على عاتقه، فأسرع السيف مضيّا فيه حتى وصل إلى كاتبة فرسه. فكان (عليه السلام) يشدّ على قدميه شدّ الفرس أو الفارس على فرسه. ففار على أصحابه فشدّ عليهم شدة ضيغم و هو يرتجز و يقول:
خلّوا سبيل الجاهد المجاهد * * * آليت لا أعبد غير الواحد
فتصدّع عنه القوم و قالوا: احبس نفسك عنا يا ابن أبي طالب. قال: فإني منطلق إلى أخي و ابن عمي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). فمن سرّه أن أفري لحمه و أريق دمه فليتّبعني أو فليدن مني.
ثم أقبل على صاحبيه أيمن و أبي واقد و قال لهما: أطلقا مطاياكما. ثم سار ظاهرا حتى نزل ضجنان. فلبث بها قدر يومه و ليلته، و لحق به نفركم المستضعفين من المؤمنين، و فيهم أم أيمن مولاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). فصلى ليلته تلك هو الفواطم، طورا يصلّون و طورا يذكرون اللّه قياما و قعودا و على جنوبهم.
فلم يزالوا كذلك حتى طلع الفجر. فصلى (عليه السلام) بهم صلاة الفجر، ثم سار لوجهه يجوب منزلا بعد منزل، لا يفتر عن ذكر اللّه، و الفواطم كذلك و غيرهم ممن صحبه، حتى قدموا المدينة. قد نزل الوحي بما كان من شأنهم قبل قدومهم بقوله تعالى: «الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى جُنُوبِهِمْ وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» [١]، إلى قوله: «فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى»؛ الذكر علي (عليه السلام) و الأنثى الفواطم المتقدم ذكرهنّ، و هنّ فاطمة بنت رسول اللّه (عليها السلام) و فاطمة بنت أسد و
[١]. سورة آل عمران: الآية ١٩١.