الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء(ع) - الأنصاري الزنجاني، إسماعيل - الصفحة ٢٢٩ - المتن
و تصدّق بكل ما رزقه اللّه من تلك التجارة، كان يغدو كل يوم إلى حراء، يصعد و ينظر من قلله إلى آثار رحمة اللّه و أنواع عجائب حكمته و بدائع كلمته؛ ينظر إلى أكناف السماء و أقطار الأرض و البحار و المفازة و القفار و الفيافي، فيعتبر بتلك الآيات و يعبد اللّه حق عبادته.
فلما استكمل أربعين سنة نظر اللّه إليه و إلى قلبه، فوجده أفضل القلوب و أجلّها و أطوعها و أخضعها، أذن لأبواب السماوات ففتحت و محمد (صلّى اللّه عليه و آله) ينظر إليها، و أذن للملائكة فنزلوا و محمد (صلّى اللّه عليه و آله) ينظر إليهم، و أمر الروح الأمين المطوّق بالنور، طاوس الملائكة، فهبط إليه.
فأخذه بضبعه فهزّه و قال له: يا محمد! اقرأ. قال: و ما أقرأ؟ قال: «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ» إلى قوله: «ما لَمْ يَعْلَمْ. كَلَّا». [١] ثم أوحى إليه ربه عز و جل، ثم صعد إلى العلو و نزل محمد (صلّى اللّه عليه و آله) عن الجبل و قد غشيه من تعظيم جلال اللّه، و ورد عليه من كبرياء شأنه ما ركبه له (صلّى اللّه عليه و آله) من الحمى، و النافض يقول: و قد اشتدّ عليه ما يخافه من تكذيب قريش في خبره و نسبتهم إياه إلى الجنون؛ يعتريه شيطان و كان من أول من أوحى إليه و أعقل خليفة اللّه و أكرم براياه و أبغض الأشياء إليه الشيطان و أفعال المجانين و أقوالهم.
فأراد اللّه عز و جل أن يشرح صدره و يشجع قلبه؛ فأنطق اللّه الجبال و الصخور و المدر و كل ما وصل إلى شيء منها ناداه: السلام عليك يا محمد، السلام عليك يا ولي اللّه، السلام عليك يا رسول اللّه؛ أبشر فإن اللّه عز و جل قد فضّلك و جمّلك و زيّنك و أكرمك فوق الخلائق [٢] أجمعين من الأولين و الآخرين. لا يحزنك إن يقول قريش إنك مجنون و عن الدين مفتون، فإن الفاضل من فضّله رب العالمين، الكريم من كرّمه خالق الخلق أجمعين؛ فلا يضيّقنّ صدرك من تكذيب قريش و عتاة العرب لك، فسوف يبلغ بك أقصى الكرامات و يرفعك ربك إلى أرفع الدرجات، و سوف ينعم
[١]. سورة العلق: الآية ١- ٣، ٥، ٦.
[٢]. سورة العلق: الآية ١.