المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه - الشهابي العاملي، محمود قانصو - الصفحة ١٤٨ - ٨- الدلالة تابعة للإرادة
هذا هو اصل النزاع الذي ذكره صاحب الكفاية و عدة من الاساطين لكنك اذا راجعت الى كلامهم تجدهم دخلوا في نزاع ثاني لا بد من تحريره حتى يتضح الأمر.
فنقول حاصله ان الواضع هل جعل اللفظ مطلقا دالا على المعنى فلفظ (اسد) مثلا في كل حالاته حتى لو صدر من قرقعة الحجارة يكون موضوعا للدلالة على معناه و هو صورة الحيوان المفترس ام ان اللفظ المجعول دالا على المعنى هو اللفظ في حالة معينة و هي الحالة التي يكون فيها الناطق باللفظ مريدا للمعنى.
فبعضهم قال بالأول أي بان اللفظ مطلقا قد جعله الواضع علة لحضور المعنى و على هذا القول فلو سمعت اللفظ و لو من قرقعة الحجارة كان هذا اللفظ دالا على المعنى و سبب الدلالة هو الوضع.
و بعضهم قال بالثاني أي بان اللفظ الذي جعله الواضع على المعنى هو خصوص المقيد بحالة يكون الناطق باللفظ مريدا للمعنى، فاللفظ الصادر من النائم ليس لفظا موضوعا للدلالة على المعنى، كما ان اللفظ الصادر من قرقعة الحجارة ليس لفظا موضوعا للدلالة على المعنى لان المفروض ان الواضع إنما وضع اللفظ الذي اراد الناطق به معناه. و اللفظ الصادر من النائم او من قرقعة الحجارة ليس لفظا اراد لافظه معناه فهو اذا غير موضوع.
فان قلت و لكن من الواضح اننا اذا سمعنا لفظ (اسد) تلفظ به النائم أو الحجر او الهواء فانه لا ريب في هذه الحالة يحضر معنى اسد في الذهن فكيف يقول أصحاب القول الثاني بان اللفظ الصادر من النائم ليس موضوعا للدلالة على المعنى.
قلت أصحاب القول الثاني لا ينكرون أن اللفظ الصادر من الهواء يدل على معناه بل ينكرون ان تكون هذه الدلالة مسببة عن الوضع فيقولون ان اللفظ الصادر من الهواء يدل على معناه و لكن لا بسبب الوضع بل بسبب آخر و هو وجود الانس الذهني بين اللفظ و المعنى.