كتاب المطول و بهامشه حاشية السيد مير شريف - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٤٤٠
اى تأكيد المدح و نفى صفة الذم فى هذا الضرب (من جهة انه كدعوى الشى ببينة) لانك قد علقت نقيض المطلوب و هو اثبات شىء من العيب بالمحال و المعلق بالمحال محال فعدم العيب ثابت (و) من جهة (ان الاصل فى) مطلق (الاستثناء) هو (الاتصال) اى كون المستثنى منه بحيث يدخل فيه المستثنى على تقدير السكوت عن الاستثناء ليكون ذكر المستثنى اخراجا له عن الحكم الثابت للمستثنى منه و ذلك لان الاستثناء المنقطع مجاز على ما تقرر فى اصول الفقه و اذا كان الاصل فى الاستثناء الاتصال (فذكر اداته قبل ذكر ما بعدها) و هو المستثنى (يوهم اخراج شىء) و هو المستثنى (مما قبلها) اى ما قبل الاداة و هو المستثنى منه يعنى يوقع فى وهم السامع و ظنه ان غرض المتكلم ان يخرج شيأ من افراد ما نفاه من النفى و يريد اثباته حتى يحصل فيهم شىء من العيب يقال توهمت الشىء اى ظننته و اوهمته غيرى (فاذا وليها) اى الاداة (صفة مدح) و تحول الاستثناء من الاتصال الى الانقطاع (جاء التأكيد) لما فيه من المدح على المدح و الاشعار بانه لم يجد فيه صفة ذم حتى يثبتها فاضطر الى استثناء صفة مدح مع ما فيه من نوع خلابة و تأخيذ للقلوب (و) الضرب (الثانى) من تأكيد المدح بما يشبه الذم (ان يثبت لشىء صفة مدح و يعقب باداة الاستثناء) اى يذكر عقيب اثبات صفة المدح لذلك الشىء اداة الاستثناء (تليها صفة مدح اخرى له) اى لذلك الشىء (نحو انا افصح العرب بيد انى من قريش) و بيد بمعنى غير و هو اداة الاستثناء (و اصل الاستثناء فيه) اى فى هذا الضرب (ايضا ان يكون منقطعا) كما ان الاستثناء فى الضرب الاول منقطع لكون المستثنى غير داخل فى المستثنى منه و هذا لا ينافى قوله ان الاصل فى مطلق الاستثناء هو الاتصال فليتأمل (لكنه) اى الاستثناء المنقطع فى هذا الضرب (لم يقدر متصلا) كما فى الضرب الاول بل بقى على حاله من الانقطاع لانه ليس فى هذا الضرب صفة ذم منفية عامة يمكن تقدير دخول صفة المدح فيها و اذا لم يقدر الاستثناء فى هذا الضرب متصلا (فلا يفيد التأكيد الا من الوجه الثانى) من الوجهين المذكورين فى الضرب الاول و هو ان الاصل فى مطلق الاستثناء الاتصال فذكر اداته قبل ذكر المستثنى يوهم اخراج شىء مما قبلها من حيث انه استثناء فاذا ذكر بعد الاداة صفة مدح اخرى جاء التأكيد و لا يتأتى فيه التأكيد من الوجه الاول اعنى دعوى الشىء ببينة لانه مبنى على التعليق بالمحال المبنى على تقدير الاستثناء متصلا (و لهذا) اى و لكون التأكيد فى مثل هذا
كتاب المطول و بهامشه حاشية السيد ميرشريف، ص: ٤٤١
الضرب من الوجه الثانى فقط (كان) الضرب (الاول افضل) لافادته التأكيد من الوجهين و اما قوله تعالى (لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلَّا سَلاماً) فيحتمل ان يكون من الضرب الاول بان يقدر السّلام داخلا فى اللغو فيفيد التأكيد من وجهين و ان يكون من الضرب الثانى بان لا يقدر ذلك و يجعل الاستثناء من اصله منقطعا و يحتمل وجها آخر و هو ان يجعل الاستثناء متصلا حقيقة لان معنى السّلام الدعاء بالسلامة و اهل الجنة اغنياء عن ذلك فكان ظاهره من قبيل اللغو و فضول الكلام لو لا ما فيه من فائدة الاكرام فكأنه قيل لا يسمعون فيها لغوا الا هذا النوع من اللغو و قوله (لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَ لا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً) يمكن حمله على كل من ضربى تأكيد المدح بما يشبه الذم كما مر و لا يمكن حمله على الوجه الثالث اعنى حقيقة الاستثناء المتصل لان قولهم سلاما و ان امكن جعله من قبيل اللغو لكنه لا يمكن جعله من قبيل التأثيم و هو النسبة الى الاثم و ليس لك فى الكلام ان تذكر متعددين ثم تأتى بالاستثناء المتصل من الاول مثل ان تقول ما جاءنى رجل و لا امرأة الا زيدا و لو قصدت ذلك كان الواجب ان تأخر ذكر الرجل (و منه) اى من تأكيد المدح بما يشبه الذم (ضرب آخر) و هو ان يؤتى بالاستثناء مفرغا و يكون العامل مما فيه معنى الذم و المستثنى مما فيه معنى المدح (نحو و ما تنقم منا الا ان آمنا بآيات ربنا) اى و ما تعيب منا الا اصل المناقب و المفاخر كلها و هو الايمان بآيات اللّه تعالى يقال نقم منه و انتقم اذا عابه و كرهه و عليه قوله تعالى (قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْنا) فان الاستفهام فيه للانكار فيكون بمعنى النفى و هو كالضرب الاول فى افادة التأكيد من وجهين (و الاستدراك) الدال عليه لفظ لكن (فى هذا الباب) اى فى باب تأكيد المدح بما يشبه الذم (كالاستثناء) فى افادة المراد (كما فى قوله) اى قول ابى الفضل بديع الزمان الهمدانى يمدح خلف بن احمد السجستانى
هو البدر الا انه البحر زاخرا
سوى انه الضرغام لكنه الوبل)