كتاب المطول و بهامشه حاشية السيد مير شريف - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٤٩
فى مثل قوله تعالى (كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ) و قوله تعالى (إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) للعطف بل هو حرف استيناف لمجرد الاضراب بمعنى بل و حكم لكن قد عرف فيما سبق و بل فى الجمل مثلها فى المفردات الا انها قد تكون لا لتدارك الغلط بل لمجرد الانتقال من كلام الى آخر اهم من الاول بلا قصد الى اهدار الاول و جعله فى حكم المسكوت كقول تعالى (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ) و اما الفاء و ثم فالفاء يفيد كون مضمون الجملة الثانية عقيب الاولى بلا فصل و قد يفيد كون المذكور بعدها كلاما مرتبا فى الذكر على ما قبلها من غير قصد الى ان مضمونها عقيب مضمون ما قبلها فى الزمان كقوله تعالى (ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ)* فان مدح الشىء او ذمه انما يصح بعد جرى ذكره و من هذا الباب عطف تفصيل المجمل نحو (وَ نادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ) و نحو (وَ كَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ) لان موضع التفصيل بعد الاجمال و لا ينافى ان يكون فيها معنى السببية نحو يقوم زيد فيغضب عمرو ثم ان كونها للترتيب بلا مهلة لا ينافى كون الثانية فى المرتبة مما يحصل بتمامه فى زمان طويل اذا كان اول اجزائه متعقبا كقوله تعالى (أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً) فان الاخضرار يبتدئ عقيب نزول المطر لكن يتم فى مدة و لو قال ثم تصبح نظرا الى تمام الاخضرار جاز و ثم للترتيب مع التراخى كما فى المفرد لكنها كثيرا ما تجئ لاستبعاد مضمون الجملة الثانية عن الاولى و عدم مناسبته له نحو (ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ) و نحو (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) لاستبعاد الاشراك بخالق السماوات و الارض و كذا قوله تعالى (ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) بعد قوله (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ) الآية لبعد المنزلة بين الايمان و فَكُّ رَقَبَةٍ و كذا (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ)* للبعد بين طلب المغفرة و الانقطاع بالكلية الى اللّه تعالى و هذا فى التنزيل اكثر من ان يحصى و قد يجئ لمجرد الترتيب و التدرج فى درج الارتقاء من غير اعتبار تعقيب او تراخ كقوله
ان من ساد ثم ساد ابوه
ثم قد ساد قبل ذلك جده