شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٩٦
قال أبو سعيد: الأصل في الاستثناء إلا، و سائر ما يستثنى به من اسم أو فعل أو حرف موضوع موضع إلا؛ و الدليل على ذلك أنها تكفي من ذكر المستثنى منه في قولك:
ما قام إلا زيد.
و يقع موقعها غير؛ لأنها تعرب إعراب الاسم الذي يقع بعد إلا، و هي مضافة إلى ذلك الاسم، و لا يستثني بما سوى إلا و غير إلا و المستثنى منه مذكور في الكلام. لا يجوز أن تقول: ما جاءني لا يكون زيدا، و لا ما جاءني ليس زيدا.
و قد تبيّن تمكّن إلا في الاستثناء، و أنها الأصل، و في هذه الأشياء معنى إلا، و هي تعمل كعملها في أنفسها قبل أن توضع موضع إلا.
فأما ليس و لا يكون فإنّا لمّا رأينا الأفعال لا تنصب إلا و معها فاعلوها، و علم أنّ مع ليس، لا يكون فاعلين، و كان إضمار بعض المذكورين فيهما لا يخرجهما عن معنى ما أريد بهما من الاستثناء، قدّرنا فيهما، و أجريناهما على عملهما قبل أن يجعلا في موضع الاستثناء، و كأنّا لما قلنا قام القوم احتمل أن يكون قام بعضهم، و بعضهم لم يقم، كما يجوز إرادة الخاصّ باللفظ العام، و البعض الذي قام هم. القوم الذين ارتفعوا بالفعل، و البعض الذي لم يقم هم المستثنون.
و ذهب الكوفيون إلى أنّ المضمر فيها المجهول، و هو كناية عن الفعل، و الاسم في موضع الفعل أيضا. كأنه قال: ليس فعلهم فعل زيد.
و الذي قدّره البصريون أولى؛ لأنه أقلّ إضمارا؛ لأنّ الكوفيين أضمروا مضافا إلى زيد محذوفا، و ليس ذلك في تقدير البصريين.
و أما موقع ليس و لا يكون من الكلام فإنه يحتمل شيئين:
أحدهما: أن يكون من كلام غير الأول، كأنه عقّب الكلام الأول بجملة بيّن بها خصوصا لعموم الكلام الأول، كما يقول القائل: جاءني القوم و ما أريد زيدا و لا أعنيه، و جاءني الناس و ما جاءني زيد.
و قد تأتي جملة بعد جملة يكون في الثانية من التخصيص ما يكون بمنزلة الاستثناء من الأول. قال اللّه عز و جل: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَ وَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ، ثم قال بعد ذلك بغير لفظ الاستثناء: فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ فقام ذلك مقام:
إلّا أن يكون له إخوة فيكون لها السّدس.
[١] سورة النساء، من الآية ١١.