شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٢٠٢
فيه الاسم، و إنّما ألزموا فيه الفعل لأنّه أريد به الدلالة بصيغة الفعل على زمانه أو مداناته و قرب الالتباس به و مواقعته، فإذا قلت: كدت أفعل كذا، فلست بمخبر أنّك فعلته و لا أنّك عريت منه عري من لم يرمه، و لكنّك رمته و تعاطيت أسبابه حتى لم يبق بينك و بينه شيء إلا مواقعته، فإذا قلت: كدت أفعله فكأنّ أفعله حدّ انتهيت إليه و لن تدخل فيه، فكأنك قلت: كنت مقاربا لفعله و على حدّ فعله، و لفظ كدت أفعل أدلّ على حقيقة المعنى و أحضر في اللفظ، و مثله: عسي زيد أن يقوم، و معناه: عسي زيد القيام؛ لأنّ القيام لا يدلّ على زمان محصّل، فلزموا الفعل الذي يدلّ على الزمان بعينه، و إذا قلت: عسي زيد يقوم- بإسقاط أن- جاز، و يقوم في موضع قائم، و لذلك قيل: (عسي الغوير أبؤسا)، و عسي زيد يفعل، إنّما تريد عسي زيد يفعل فيما يستقبل، و كاد زيد يفعل إنّما يقال لمن هو على حدّ الفعل و ليس فيه مهلة، فلمّا كانت كذلك صارت للحال، و كاد و عسي و جعل و نحو ذلك سيعود عليك ذكره في موضعه من أبواب أن أبسط من هذا و أكثر شرحا إن شاء اللّه.
هذا باب إذن
قال سيبويه: اعلم أنّ إذن إذا كانت جوابا و كانت مبتدأة عملت في الفعل عمل أرى في الاسم إذا كانت مبتدأة. و ذلك قولك: إذن أجيئك، و إذن آتيك.
و من ذلك أيضا قولك: إذن و اللّه أجيئك. و القسم هاهنا بمنزلته في أرى إذا قلت: أري و اللّه زيدا فاعلا.
و لا تفصل بين شيء ممّا ينصب الفعل و بين الفعل سوى (إذن)؛ لأنّ إذن أشبهت أري، و هي في الأفعال بمنزلتها في الاسم، و هي تلغي و تقدّم و تؤخّر، فلمّا تصرّفت هذا التّصرف اجترءوا على أن يفصلوا بينها و بين الفعل باليمين.
و لم يفصلوا بين أن و أخواتها و بين الفعل كراهة أن يشبّهوها بما يعمل في الأسماء، نحو: ضربت و قتلت؛ لأنّها لا تصرّف تصرّف الأفعال، و لا تكون إلا في أوّل الكلام لازمة لموضعها لا تفارقه، فكرهوا الفصل لذلك؛ لأنّه حرف جامد.
و اعلم أن إذن إذا كانت بين الفاء و الواو و بين الفعل فإنك فيها بالخيار: إن شئت أعملتها كإعمال أري و حسبت إذا كانت واحدة منهما بين اسمين؛ و ذلك قولك زيدا حسبت أخاك. و إن شئت ألغيت إذن كإلغائك حسبت إذا قلت: زيد حسبت أخوك.