شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ١٢٠
كان المفعول يقع متقدما و متأخرا، و بعد حرف العطف، و حرف الاستثناء، و هو للمتكلم و المخاطب و الغائب الذي جرى ذكره اضطرّنا وقوعه في هذه المواضع إلى لفظ نجعله وصلة إلى اللفظ الذي يشترك فيه المنصوب و المخفوض و هو إيّا، و لا بدّ ل (إيّا) من أن يكون له موقع يتعمده بالناصب الذي كان ينصب ما بعده، فإذا نصبناه كان بمنزلة اسم اتصل به اسم آخر، فسبيله أن يكون مضافا إليه كقولك: تعمدت زيدا، و تعمدت نفس زيد، و جاءني زيد، و جاءني ذو زيد، و جاءني حي زيد، و المعنى في ذلك كله: جاءني زيد؛ فقد استعملت هذه الوصل في المواضع التي يستغنى فيها عن الوصل، و جعلت مضافة إلى ما بعدها على ما يوجبه ترتيب الكلام و إصلاح اللفظ.
و مما يشبه ما ذكرناه مما دخل وصلة إلى غيره قولهم: يا أيها الرجل، الأصل فيه:
نداء الرجل، و لم يمكن ذلك بسبب الألف و اللام فيه، فأدخلوا أي فنادوه، و أجروه مجرى المنادى المفرد، و ضمّوه، ثم جعلوا المقصود بالنداء نعتا له؛ لأنّ اتصاله به يوجب له حكما في اللفظ.
و قد قيل فيه أقاويل غير ما قلناه. قال بعض النحويين: هي بكمالها اسم، و قال بعضهم: الياء و الكاف و الهاء في: إيّاي، و إيّاك، و إياه هي الأسماء، و إيّا عماد لها؛ لأنها لا تقوم بأنفسها.
و زعم قائل هذا القول أنها ليست في موضع خفض، و ينبغي على قوله أن تكون الياء و الكاف و الهاء في موضع نصب، و أنّ إيا بمنزلة حرف زائد لا يحول بين العامل و المعمول فيه، أو يكون إيّا مع الكاف في موضع نصب، و لا ينفصل أحدهما.
و قال بعضهم: إيّا اسم مبهم يكنى به عن المنصوب، و جعلت الكاف و الهاء و الياء بيانا عن المقصود ليعلم المخاطب من الغائب، و لا موضع لها من الإعراب، هي بمنزلة الكاف في: ذلك، و أولئك.
و قوله: فوجدتك أنت أنت؛ وجدتك تكون على معنيين أحدهما: بمعنى أصبتك، و الآخر: بمعنى علمتك، و أنت الأولى مبتدأه، و الثانية خبرها، فإن أردت ب (وجدتك) معنى الإصابة ف (أنت أنت) جملة في موضع الحال، و يجوز فيه الواو: فوجدتك و أنت أنت، و إن كان وجدتك بمعنى علمتك، ف (أنت أنت) جملة في موضع المفعول الثاني، و لا تجوز فيه الواو، و لا يجوز في موضع أنت أنت الضمير المتصل؛ لأنه ابتداء و خبر، و هما منفصلان، و إنّما يقال: أنت أنت، و زيد زيد، و ما أشبهه مما يعاد فيه لفظ الاسم، أي: أنت على العهد الذي عرف منك و ذكرت به، كما قال الشاعر: