شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٣٨٣
قال أبو سعيد: أما" أن" الداخلة على الأفعال فتنصب المستقبل منها و تكون معها بمنزلة المصدر فهي تدخل على الماضي و المستقبل كقولك:" أعجبني أن دخلت الدار". و" تعجبني أن تزورنا" و لا تقع للحال. و قد ذكرت في غير موضعها.
و أما" أن" التي بمعنى" أي" فهي نائبة عن القول و تأتي بعد فعل في معنى القول و ليس بقول. كقولك: كتبت إليك أن قم. تأويله: قلت لك: قم. و لو قلت لك: أن قم لم يجز. لأن القول يحكي ما بعده. و يؤتى بما بعده باللفظ الذي يجوز وقوعه في الابتداء.
و ما كان في معنى القول و ليس بقول فهو يعمل و ما بعده ليس كالكلام المبتدأ و هذا الوجه في" أنّ" لم يعرفه الكوفيون و لم يذكروه. و عرفه البصريون و ذكروه. و سموه" أن" التي للعبارة و حملوا عليه قوله عز و جل: وَ انْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا، و في تقديره وجهان:
أحدهما: انطلقوا. فقال بعضهم لبعض" امشوا و اصبروا" و ذلك أنهم انصرفوا عن مجلس دعاهم فيه النبي صلّى اللّه عليه و سلّم إلى التوحيد للّه عز و جل و ترك الآلهة دونه و صار" انطلق الملأ منهم" لما اضمروا القول بعده بمعنى: فعل يتضمن القول نحو: كتب و اشباهه.
و الوجه الآخر: أن يكون" انطلقوا" بمعنى" تكلموا" كما يقال: انطلق زيد في الحديث كأن خروجه عن السكوت إلى الكلام هو الانطلاق.
و يقال في" امشوا" أي: اكثروا و نموا. و المشاء: النماء. و أمشيت الماشية ماشية.
و أهل الكوفة جعلوا" أن" في موضع نصب بإسقاط الخافض و هو" الباء" كأنه قال:
و انطلقوا بالمشي و حقيقته: أي قال بعضهم لبعض" أمشوا" و قد ذكر كونها بعض الثقيلة و أحكامها و زيادتها.
و أما" أن" المخففة التي للإيجاب فهي مخففة عن الثقيلة فإن بقيت أعمالهم لم يحتج إلى" اللام" كما لا يحتاج في الثقيلة كقولك: أن زيدا قائم و إن شئت أدخلت اللام فقلت:
أن زيدا لقائم و لا تدخل إلا على اسم و خبر.
و إن خففتها و لم تعملها لزمت" اللام" فيما بعدها للدلالة على الفرق بينها و بين" أن" في معنى الجحد و دخلت على الاسم و الفعل فالاسم كقولك: أن زيد لذاهب و الفعل
[١] سورة ص، الآية: ٦.