شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٢٩٨
تباعده من الأسد سببا لأكله، فإن رفعت، فالكلام حسن كأنه قال: لا تدن منه فإنه يأكلك، و إن أدخلت الفاء فحسن، و ذلك قولك: لا تدن منه فيأكلك.
و ليس كل موضع تدخل فيه الفاء يحسن فيه الجزاء، ألا ترى أنه يقول: ما أتيتنا فتحدّثنا، و الجزاء هاهنا محال، و إنما قبح الجزم في هذا؛ لأنه لا يجيء فيه المعنى الذي يجيء إذا أدخلت الفاء.
و سمعنا عربيا موثوقا بعربيته يقول: لا تذهب به تغلب عليه، فهذا كقوله: لا تدن من الأسد يأكلك. و تقول: ذره يقل ذاك، و ذره يقول ذاك، فالرفع من وجهين: أحدهما الابتداء، و الآخر على قوله: ذره قائلا ذلك فتجعل (يقول) في موضع قائل.
فمثل الجزم قول اللّه- عز و جل-: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَ يَتَمَتَّعُوا وَ يُلْهِهِمُ الْأَمَلُ، و مثل الرفع قوله- جلّ ثناؤه-: وَ يَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ.
و تقول: ائتني تمشي أي ائتني ماشيا، و إن شاء جزمه على أنه إن أتاه مشى فيما يستقبل، و إن شاء رفعه على الابتداء، قال اللّه- تعالى-: فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً وَ لا تَخْشى. فالرفع على الوجهين على الابتداء، و على قوله: اضربه غير خائف و لا خاش، و تقول: قم يدعوك لأنّك لم ترد أن تجعل دعاء بعد قيامه، و يكون القيام سببا له، و لكنك أردت قم إنه يدعوك، و إن أردت ذاك المعنى جزمت.
و أما قول الأخطل:
كرّوا إلى حرّتيكم تعمرونها
كما تكرّ إلى أوطانها البقر