شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٣٥٤
فيكون تقديره: (أهلكنا أنهم إليهم لا يرجعون) و هذا لا معنى له. و لكن" كم" و ما بعدها إذا جعلت اسما غير استفهام فتقديرها: (ا لم يروا الذين أهلكناهم من القرون). و معنى:
" يروا" يعلموا. لأن رؤية العين منهم لم تقع على القرون التي خلت من قبلهم.
فإذا قدرناه هذا التقدير و أبدلناه صار معناه:" ألم يعلموا أن القرون التي أهلكناهم من قبلهم لا يرجعون". و في" أن" وجه آخر و هو: أن تجعلها في صلة:" أهلكناهم" بمعنى:
أهلكناهم بأنهم لا يرجعون" أي": أهلكناهم لهذا الضرب من الهلاك.
و قوله عز و جل: أَ يَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَ كُنْتُمْ تُراباً وَ عِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ فيه وجهان:
أحدهما: أن تجعل" أنكم" المفعول الثاني من" يعدكم" و المفعول الأول" الكاف و الميم". و اسم" أن" الكاف و الميم بعدها. و خبرها." مخرجون"" فإذا متم" ظرف" لمخرجون". و (أنكم) الثانية معادة و هي الأولى ليقرب من الخبر لما تراخى ما بينها و بين الخبر. و هي مكررة توكيدا للأولى، قوله عز و جل: وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ هم الثانية إعادة للأولى توكيدا و هذا قول أبي عمر الجرمي في هذا و نحوه. و يحتج له في ذلك:
أنها تقع بعد الفاء مفتوحة في قوله عز و جل: أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ إنما هو" فله نار جهنم ..." ثم كررها توكيدا و لو لا أنها مكررة لكسرت لأنها في موضع الابتداء بعد" الفاء" للتراخي كما قال عز و جل: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَ يُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ فهذه كررت للتراخي، و مثل هذا في القرآن كثير.
و الوجه الثاني: أن تجعل" أنكم" المفعول الثاني ل" يعدكم" و" أنكم مخرجون" في موضع اسم مبتدأ و خبره" إذا متم" و هو ظرف له. و تقديره: أيعدكم أنكم إذا متم أخراجكم. و المبتدأ و الخبر خبر" أنكم" و العائد إلى" الكاف و الميم" التي هي اسم" أنكم" الأولى" الكاف و الميم" التي هي اسم" أنكم" الثاني. و هذا قول أبي العباس المبرد.
[١] سورة المؤمنون، الآية: ٣٥.
[٢] سورة هود، الآية: ١٩.
[٣] سورة التوبة، الآية: ٦٣.
[٤] سورة آل عمران، الآية: ١٨٨.