شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ١٥٢
و قد جرى التوكيد و الاختصاص بالنفس مجرى صفاتى التّحلية في اشتراك الصفة و الموصوف في الإعراب و التّعريف، و في شرط الصفات أن لا تكون الصّفة أعرف من الموصوف، فلما كان المضمر أعرف من الظاهر لم يجعل توكيدا للظّاهر؛ لأن التوكيد كالصّفة.
و مما يمنع من توكيد الظاهر المضمر أنّا لو فعلنا ذلك لم يكن توكيده إلا بالمضمر الغائب، و سقط منه ضمير المتكلّم و المخاطب؛ لأنّا إذا قلنا: لقيت زيدا، أو مررت بزيد، أو جاءني زيد، فأكّدناه، لم يكن في شيء من ذلك إلا أن تقول هو، فيسقط المتكلم و المخاطب، و هما الأكثر و الأصل في الضّمير، و استعمال ما يوجب إسقاط أصله و أكثره مطّرح متروك.
و أما البدل فإنه يجوز أن تبدل المضمر من المضمر، و المضمر من المظهر، و الظاهر من المضمر.
فأمّا المنصوب فقولك: رأيتك إياك، تجعل إيّاك بدلا من الكاف، كأنك قلت:
إيّاك رأيت، و لم تذكر الكاف، و قدّرناه، بتقديم إياك، أو ما رأيت إلا إياك.
و أما المرفوع فإنك تقولك قمت أنت، و المجرور: مررت بك بك، و تعيد حرف الجرّ لأنّ الكاف لا تنفرد، و إن أبدلت مضمرا من ظاهر قلت في المجرور: مررت بزيد به بإعادة حرف الجر.
و الفرق بين جواز بدل المكنيّ من المضمر و من الظّاهر و بطلان التوكيد و الصفة بالمكنيّ من الظاهر أنّ الصّفة تطلب المشاكلة بينها و بين الموصوف في التعريف أو التنكير، و البدل ليس يطلب ذلك إذ جاز بدل النكرة من المعرفة، و المعرفة من النّكرة، و قد ذكرت في غير هذا الباب أنّ النكرة لا تؤكّد بما أغنى عن إعادته، و باقي كلامه مفهوم.
هذا باب من البدل أيضا
قال سيبويه: (و ذلك قولك: رأيته إيّاه نفسه، و ضربته إياه قائما.
و ليس هذا بمنزلة قولك: أظنّه هو خيرا منك، من قبل أنّ هذا موضع فصل، و المضمر و المظهر في الفصل سواء. ألا ترى أنّك تقول: رأيت زيدا هو خيرا منك،