شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ١٧٩
و أمّا أهل الحجاز فإنّهم يحكون كلام المتكلّم في الاسم العلم؛ إذا قال قائل: رأيت زيدا، قالو: من زيدا؟ و إذا قالوا: مررت بزيد، قالوا: من زيد؟ و إنما حكوا لفظه لئلا يتوهّم المسؤول أنّه سئل عن غير الذي ذكره من الزّيدين، و حرصوا لحكاية لفظه على التّبيين له أنه مسؤول عن الذي ذكره، و موضع المنصوب و المخفوض في من زيدا، و من زيد، رفع على خبر من أو الابتداء، كما أنّ قولهم: دعنا من تمرتان، تمرتان في موضع خفض؛ كأنه قال: دعنا من لفظك تمرتان، فناب تمرتان عن ذلك، و كذلك قول من قال:
لست بقرشيّا، في موضع خفض بالباء. و إنما يختار أهل الحجاز الحكاية بالأسماء الأعلام دون غيرها؛ لأن أكثر ما يخبر عن الناس بالأسماء الأعلام في مكاتباتهم و معاملاتهم، و فيما ينسب إليهم من مناقب أو مثالب، و الاسم العلم إذا ذكر فكأنه شامل على تعريف جميع ما فيه من صفاته المعروفة، و إنّما ينعت إذا زاحمه غيره في لفظه بما يبينه عن غيره. و قد ذكر نحو هذا في ذكر الأسماء الأعلام.
و إذا لم يكن الاسم علما أجري على القياس، و رفع على الابتداء و الخبر. و إذا عطف على الاسم العلم أو نعت بغير اسم أبيه فالرفع على القياس؛ لأن السائل إذا أطال بالعطف أو بالنعت محتذيا على كلام المتكلم، فحكايته لإطالته تغنيه عن حكايته لإعرابه، و يكون أولى؛ لأنّ الإطالة بالعطف و النعت لا تخرج اللفظ عن قياسه كما تخرجه الحكاية، و ذلك إذا قال القائل: رأيت زيدا و عمرا، و رأيت زيدا أخا عمرو فالباب أن يقول السائل: من زيد و عمرو؟ و من زيد أخو عمرو؟
و قد حكى سيبويه في العطف عن غير يونس الحكاية إذا كان الذي يلي (من) الاسم العلم، و استحسنه؛ لأنّ المعطوف غير المعطوف عليه، فالسؤال وقع بالاسم مفردا، ثم عطف شيء آخر عليه قد وقع به سؤال، و ليس كذلك النّعت؛ لأنّ النعت و المنعوت كشيء واحد. و إذا قال: رأيت زيد بن عمرو جاز أن يقول: من زيد بن عمرو؛ لأنّ زيدا قد بني مع ابن فجعلا كشيء واحد، فصارا كشيء مضاف، فإذا قال: جاءني عبد اللّه، أو رأيت عبد اللّه، أو مررت بعبد اللّه جازت الحكاية في هذه الوجوه، فتقول: من عبد اللّه، أو مررت بعبد اللّه؟ و من عبد اللّه، و كذلك جاءني زيد بن عمرو، و مررت بزيد بن عمرو، و رأيت زيد بن عمرو. و ردّ إلى القياس و رفع؛ لأنهما لم يجعلا كشيء واحد، و صار بمنزلة قولك: رأيت زيدا أخا عمرو.
و إنما جازت الحكاية بمن و لم تجز بأيّ لعلتين:
إحداهما: أنّ السؤال ب (من) عمّا يعقل أكثر من السؤال بأيّ، و تغييرهم لما يكثر