شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٤
يكون مذموما مقصرا في غيره، فلذلك صار المنصوب به على التمييز؛ لأنه يقتضي الجنس الذي يذكره و يعلم المعنى الذي مدح به، و هو يشبه باب (نعم راجلا و بئس غلاما).
و لو قال قائل: ويح زيد و للّه دره و حسبك به، لم يجر بأي شيء مدحه و كان مبهما و صار بمنزلة قولك: عندي عشرون بغير تفسير، فإذا فسرته صار بمنزلة عشرين غلاما، و إنما أدخلت (من) في هذا الباب؛ لأنه قد يجوز حمل المنصوب فيه على الحال إذا قلت حسبك به فارسا، و حسبك به معينا، و تنصبه على الحال كما تقول احسبني زيد فارسا، و كفاني معينا، أي في هذه الحال فأدخلوا (من) ليعلم أنها تزاد للدلالة على الجنس المستحق به المدح دون الحال، و كذلك يجوز دخول (من) في كل ما كان من المقادير يكون المنصوب فيه هو الأول و كقولك: لي مثله رجلا، ولي ملؤه عسلا؛ لأنه قد يجوز أن يقع فيه ما يذهب به مذهب الحال، كقولك لي مثل زيد أخا و صديقا، فيكون دخول (من) لتحقيق باب التفسير و قد ذكرت (من) في كائن (و كم) مثلها.
و قال أبو العباس محمد بن يزيد: دخول من في (كائن) و (كم) و (كذا كذا) من درهم لما منعته هذه الحروف من التمكن، فعوضت هذا كما عوضت أن يعمل فيما فصل بينه و بينها. نحو: كم في الدار- رجلا-.
و أما راقود من خلّ و موضع كفّ من سحاب، فإن ذلك جنس يستوي تعريفه و تنكيره، و جمعه و واحده، ألا ترى أنه يستوي في المعنى المفهوم عنك أن تقول: اصطنعت بالخل و بخلّ، و شربت ماء و شربت الماء. و أما (عشرون) و ما جرى مجراها من المقادير المعلومة، فإذا دخلت (من) بعدها وقع على الجنس و الجمع الذي يكون المميز تقول:
عندي عشرون من الدراهم، و خمسون من الثياب، و لو قلت: عشرون من درهم، و خمسون من ثوب لم يجز.
و من الفرق بين: عشرين و ما جرى مجراها من الأعداد المعلومة و بين كم و كأيّ و كذا و كذا و نحو ذلك، أن العشرين قد عرف مقدارها، و إنما تدخل (من) على النوع الذي (العشرون بعضه) فتحتاج أن تكون أكثر من العشرين في اللفظ.
(و كم) مبهم، يجوز أن يكون جوابها واحدا، كقولك: كم غلاما عندك؟ فيقول المجيب: غلام أو غلامان. إلا أنه يجوز أن تقول: عندي عشرون من درهم و دينار و من غلام و جارية على غير التمييز، و لكن على قولك: من بين درهم و دينار، و ليس ذلك بمنزلة ما أخلصته لجنس، و لكن يقع كما يقع في غير التمييز، كقولك: الناس من بين