شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٣٢٠
و جل: وَ إِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ و الحكم متأخر، و قوله: ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ بدا لهم فعل، و الفعل لا يخلو من الفاعل أو معناه عند النحويين أجمعين بدا لهم بدوّ، و قالوا: ليسجننه، إنما أضمر البدو، لأنه مصدر يدل عليه (بدا لهم)، و أضمر (قالوا) كما قال: وَ الْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ* سَلامٌ عَلَيْكُمْ و معناه: يقولون سلام عليكم، و لا يكون ليسجننه بدلا من الفاعل لأنه جملة، و الفاعل لا يكون جملة، و باقي الباب من كلام سيبويه مفهوم.
باب الحروف التي لا تقدّم فيها الأسماء (على) الفعل
فمن تلك الحروف الحروف العوامل في الأفعال الناصبة- ألا ترى أنك لا تقول:
جئتك كي زيد يقول ذاك، و لا خفت أن زيد يقول ذاك، فلا يفصل بين الفعل و العامل فيه، كما لا يجوز أن يفصل بين الاسم و بين (إنّ) و أخواتها بفعل، و مما لا يقدم فيه:
الأسماء، الفعل، الحروف العوامل في الأفعال الجازمة، و تلك (لم) و (لما) و (لا) التي تجزم الفعل في النهي و (اللام) التي تجزم الفعل في الأمر، ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: لم زيد يأتك، فلا يجوز أن تفصل بينها و بين الأفعال بشيء، كما لم يجز أن تفصل بين الحروف التي تجر و بين الأسماء بالأفعال؛ لأن الجزم نظير الجر، و لا يجوز أن تفصل بينهما و بين الفعل بحشو، كما لا يجوز أن يفصل بين الجار و المجرور بحشو إلا في شعر:
و لا يجوز ذلك في التي تعمل في الأفعال فتنصب، كراهة أن تشبّه بما يعمل في الأسماء، ألا ترى أنه لا يجوز أن يفصل بين الفعل و ما ينصبه بحشو، كراهة أن يشبهوه بما يعمل في الاسم، لأن الاسم ليس كالفعل، و كذلك ما يعمل فيه ليس كما يعمل في الفعل، ألا ترى إلى كثرة ما يعمل في الاسم، و قلة ما يعمل في الفعل؛ فهذه الأشياء فيما يجزم أردأ و أقبح منها في نظيرها من الأسماء، و ذلك أنك لو قلت: جئتك كي بك يؤخذ زيد، لم يجز، و صار الفصل في الجزم و النصب أقبح منه في الجر لقلة ما يعمل في الأفعال، و كثرة ما يعمل في الأسماء.
و اعلم أن حروف الجزاء يقبح أن تتقدم الأسماء فيها قبل الأفعال، و ذلك أنهم
[١] سورة النحل، الآية: ١٢٤.
[٢] سورة يوسف، الآية: ٣٥.
[٣] سورة الرعد، الآيتان: ٢٣، ٢٤.