شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٢٨٤
و لا يكون الآخر إلا رفعا، لأنّ (أن) لا يجازى بها، و إنما هي مع الفعل اسم، فكأنه قال: لأن يضلّ الناس يهدي ضلالهم. و هكذا أنشد الفرزدق.
قال أبو سعيد: إذا أقسمت على المجازاة، فالقسم إنما يقع على الجواب، لأن جواب المجازاة هو إخبار و وعد يقع فيه التصديق و التكذيب و الوفاء و الإخلاف، ألا ترى أنك لو قلت:
إن جاء زيد أعطاه عمرو دينارا، لم يقع لك بمجيء زيد و لا بتأخره تصديق و لا تكذيب، و إنما يقع لك التصديق و التكذيب بإعطاء عمرو زيدا دينارا و منعه إياه بعد مجيئه، و القسم إنما يؤكد الإخبار، و ما ليس بخبر لا يقع عليه القسم، ألا ترى أنك لا تقول و اللّه هل خرج زيد، و لا و اللّه قم يا زيد، و لا و اللّه لا يتكلّم يا عمرو، و لأن الاستفهام و الأمر و النهي بإخبار، فلما كان القسم معتمدا به الجواب، بطل الجزم فيه، فصار لفظه كلفظه لو كان في غير مجازاة، فتقول: و اللّه إن أتيتني لا أفعل، كأنك قلت: و اللّه لا أفعل إن أتيتني، و صار الشرط معلقا على جواب اليمين، كما يعلق عليه الظرف إذا قلت: و اللّه لا أفعل يوم الجمعة. و يقول و اللّه إن أتيتني آتيك، على معنى لا آتيك، لأن جواب اليمين، لا يجوز إسقاط لامه إذا كان جحدا قال اللّه- عزّ و جلّ-: قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ على معنى تاللّه لا تفتأ تذكر، و و اللّه أؤذيك على معنى و اللّه لا أؤذيك، و إنما جاز إسقاط (لا) منه، لأنه لا يشكل بالإيجاب، لأن الإيجاب يحتاج إلى لام و نون، كقولك: و اللّه لا آتينّك، و و اللّه لأخرجنّ.
و لا يجوز إسقاط واحدة من اللام و النون، فإذا أسقطوا (لا) من الجحد، علم أنه جحد بسقوط و اللام و النون منه، و يدخلون اللام أيضا على الشرط، لأنه أول ما يلقى اليمين، كقولك: و اللّه لئن أتيتني لأكرمنّك، فإدخالها في الثاني واجب لازم، لأنه مقصود بالقسم، و إدخالها في الأول؛ لأنه صدر الكلام، و الشرط و الجواب هما في الأصل جملتان متباينتان ربطهما حرف المجازاة فصارتا كشيء واحد، فمن أدخل اللام في الأول فلأنهما كجملة واحدة صدرها الشرط، ثم تعيد في جواب اليمين الحرف الذي يوجبه اليمين، و من لم يدخل اللام في الأول اكتفى بدخول علامة جواب اليمين في الموضع الذي هو حقه، و إن جزمت الشرط فقلت: و اللّه لئن تأتني لا أفعل لم يحسن، لأن الشرط لا يجزم إذا لم يكن بعده جواب له، و قولك: لا أفعل هو جواب القسم، و ليس بجواب له، و قد يسقط
[١] سورة يوسف، الآية: ٨٥.