شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٥١
و قال أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب: فكيف يكون بدلا و الأول منفي و ما بعد" إلا" موجب؟
فالجواب عما قاله أحمد بن يحيى: أنه بدل منه في عمل العامل فيه و ذاك أنا إذا قلنا:
ما أتاني أحد. فالرافع" لأحد" هو" أتاني" أيضا فكل واحد من" أحد" و" زيد" يرتفع ب" أتاني" إذا فرد به.
فإذا ذكرناهما جميعا فلا بد من أن يكون الأول منهما يرتفع بالفعل؛ لأنه يتصل به.
و يكون الثاني تابعا له. كما يتبعه إذا قلنا: جاءني أخوك زيد. لا يقال: زيد فاعل؛ لأن أخوك باتصاله بالفعل صار فاعلا، و زيد بدل منه، و أما اختلافهما في النفي و الإيجاب فلا يخرجهما عن البدل؛ لأن مذهب البدل في ذلك أن تقدر الأول في تقدير ما لم يذكر.
و الثاني في موضعه الذي رتب فيه.
فإن كان الفعل الذي ارتفع به الأول إذا لم يذكر الأول عمل في الثاني في موضعه الذي رتب فيه علمنا متى ذكر أن الثاني بدل منه؛ لأن الفاعل لا يكون أكثر من واحد.
و قد يقع في العطف و الصفة ما يكون الأول موجبا و الثاني منفيّا.
فأما العطف: فجاءني زيد لا عمرو. و مررت بزيد لا عمرو، فالأول موجب و الثاني منفيّا، و اختلفا في النفي و الإيجاب لدخول" لا" بينهما و أحدهما معطوف على الآخر.
و تقول في الصفة:" مررت برجل لا كريم و لا لبيب"" فكريم" خفض لأنه صفة لرجل و أحدهما موجب و الآخر منفي، و قد يجوز النصب فيما يختار فيه البدل. كقولك:
ما أتاني أحد إلا زيدا: و ما مررت بأحد إلا زيدا".
و إنما اختير البدل؛ لأن البدل و الاستثناء في المعنى واحد. و في البدل فضل موافقة ما قبل" إلا" لما بعدها في اللفظ، و يقويه أيضا: إجماع القراء و المصاحف على: ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ إلا أهل الشام و مصحفهم. فإنهم قرأوا:" إلا قليلا منهم" و كذلك هو في مصحفهم و قرأ القراء وَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ.
و حكى سيبويه عمن لم يسمعه من النحويين: أن المنفي إذا جاز في لفظه الإيجاب لم يجز فيه البدل، و لم يكن غير النصب كقولك: ما أتاني القوم إلا أباك؛ لأنه بمنزلة:
" أتاني القوم لا أباك".
[١] سورة النساء، من الآية ٦٦.
[٢] سورة النور، من الآية ٦.