شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ١٦٥
اللّه به فللّه الأسماء الحسنى، و أيّا أحد الاسمين المذكورين في: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ [١].
و أول شيء ردّ على سيبويه من هذا الباب قوله: (و إن أضمرت الفاء جازيت و جزمت" تشأ" و نصبت" أيّها").
فقال الرادّ: إضمار الفاء إنّما يجوز في الشّعر و قد ذكره سيبويه في كلامه.
قال أبو سعيد: و ليس كذلك، إنما أرادا إذا أضمرت في الموضع الذي يجوز إضماره على ما ستقف عليه في باب المجازاة، و كان حكمه أن تنصب أيّها بفعل الشّرط، و تجزم فعل الشّرط.
و اعلم أنّ الكوفيّين يجرون أيّهم مجرى ما و من في الاستفهام و المجازاة و الخبر، و إذا أوقعوا عليها الفعل- و هي في معنى الذي- نصبوها، و سواء حذفوا العائد من الصّلة أو لم يحذفوا، و لا فرق عندهم بين قولك: لأضربنّ الذي أفضل، و لأضربنّ أيّهم أفضل، و لا يضمّون أيّهم إلا في موضع رفع، فخرّجوا الآية على ثلاثة أوجه كلّها يوجب رفع" أيّهم" بالابتداء، و أشدّ على الرّحمن خبره.
الوجه الأول منها: أن النزع عمل في" من" و ما بعدها و اكتفي بها، كما تقول: قد قتلت من كلّ قبيل، و أكلت من كلّ طعام، فيكتفي الفعل بما ذكر معه، ثم تبتدأ" أيّ" فترفع ب" أشدّ"، و هذا جواب الكسائي و الفراء.
و الوجه الثاني: أن الشّيعة معناها: الأعوان، و تقديرها من كلّ قوم تشايعوا لينظروا أيّهم أشدّ على الرحمن عتيّا، فالنظر من دلائل الاستفهام، و هو مقدّر معه، و أنت إذا قلت:
لأنظرنّ أيّهم أشدّ على الرحمن عتيّا، فالنظر معلّق، و أيّهم مرفوع بالابتداء، و النّظر و المعرفة و العلم و نحوهنّ من أفعال القلوب يسقط عملهن إذا كان بعدهنّ استفهام.
و يقوّى حكاية الكوفيين و ذهبهم ما روي عن الجرميّ أنّه قال: خرجت من الخندق- يعني: خندق البصرة- حتى صرت إلى مكة، لم أسمع أحدا يقول: اضرب أيّهم أفضل، أي كلّهم ينصب، و لم يذكر الكوفيّون لأضربنّ أيّهم أفضل، و قد حكاه البصريون؛ لأن سيبويه قال: (سألت الخليل عن قولهم: اضرب أيّهم أفضل)، إنما يعني سألته عن قول العرب، و قول العرب أيّهم، وقع في قولهم: أيّهم على أنه حكاية عن العرب أيضا، و قوّى ما حكاه سيبويه و الخليل عن العرب ما حكاه أبو عمرو الشيباني في حرف العين من" كتاب
[١] سورة الإسراء، من الآية: ١١٠.