شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٢٢١
الشمس) لجئنا (حتى) الناصبة في موضع (حتى) التي يرتفع الفعل بعدها، فهذه حيلولة ما بين (حتى) و بين (تطلع) و إنما خالفوا بين (أدخلها) و بين (حتى) المعدومة كما تقول:
حلت بين زيد و بين الأكل، و حلت بينه و بين الغسل إذا منعته من فعلهما فهما معدومان؛ و أما بيت امرئ القيس، فلو رفع (بكل) لجاز، و لكنه نصب ليريك جواز عطف (حتى) على (حتى)، و هما مختلفان في النصب و الرفع، لأن الأولى قد نصبت (بكل)، و الثانية بعدها مبتدأ و خبر، فلو وقع موقع المبتدإ فعل لكان مرفوعا. و قد فرع أصحابنا مسائل في باب (حتى) رأيت ذكرها متصلا بهذا الباب.
تقول: سرت حتى مطلع الشمس، و سرت حتى الظهر، و منه قول اللّه- عز و جل- سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ و لا يجوز أن تقول: سرت حتى الشام، و لا سرت حتى مكانك، إلا أن تذكر الأمكنة قبلها، و الجملة التي بعد (حتى) جزء منها، فتكون كالغايات بعد (حتى)، و ذلك قولك: دخلت المدن حتى الشام، و سرت على الجسور حتى جسر بغداد، و لا يحتاج في الأزمنة إلى ذلك، لأن الأزمنة تحدث على ترتيب، و شبهت بالأفعال، و (حتى) تقع على الأفعال كلها، فصار قولك: قف حتى تطلع الشمس، و حتى طلوع الشمس بمنزلة، و كذلك المصادر كلها: قف حتى مجيء زيد، و حتى قيام الأمير.
و لو قلت: أخذت من الدار حتى أقصاها، لم يجز، لأنك لم تذكر ما أقصاها جزء منه، و لو قلت: أخذت الدار حتى أقصاها جاز؛ و لو قلت: أقمنا حتى اليوم، و حتى الليلة، و حتى العشية، و حتى الغداة، و الساعة، و العام حسن.
و لو قلت: أقمنا حتى الشهر، و حتى السنة، و اليومين، و الليلتين، و الشهور، و الأشهر لم يجز، فإن نعته بما يزيل عنه الإبهام جاز، كقولك: أقمنا حتى الشهر المستطاب؛ و إنما جاز هذا فيما أجزناه فيه لأنه وقت مخصوص لا إبهام فيه، و ذلك أنهم يقولون: أنا اليوم خارج، و أنا اليوم صائم، و أنا الليلة عندك، و أنا العام حاج، فيعلم ما اتفقوا عليه و اعتادوه، أنه يراد اليوم الذي هو فيه، و العام الذي هو فيه؛ و لا يقولون: أنا الشهر خارج، و هم يريدون الشهر الذي هم فيه.
و إذا قلت: أنا اليومين صائم، لم يعلم به يومان بأعيانهما حتى تزيد فيه ما يزيل الإبهام مثل: أنا اليومين المتصلين باليوم صائم، فقس على ذلك إن شاء اللّه تعالى.
[١] سورة القدر، الآية: ٥.