شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ١١٥
و تقول: عجبت من ضرب زيد أنت، و من ضربك هو، إذا جعلت زيدا مفعولا، و جعلت المضمرّ الذي علامته الكاف فاعلا، فجاز أنت هاهنا للفاعل كما جاز إيّا للمفعول؛ لأن إيّا و أنت علامتا الإضمار، و امتناع التاء يقوّي دخول أنت هاهنا.
و تقول: قد جئتك فوجدتك أنت أنت، فأنت الأولى مبتدأة، و الثانية مبنية عليها، كأنك قلت: فوجدتك وجهك طليق. و المعنى: أنك أردت أن تقول: فوجدتك أنت الذي أعرف.
و مثل ذلك: أنت أنت، و إن فعلت هذا فأنت أنت، أي فأنت الذي أعرف، أو أنت الجواد و الجلد، كما تقول: الناس الناس، أي الناس بكلّ مكان و على كل حال كما تعرف.
و إن شئت قلت: قد ولّيت أمرا فكنت أنت إياك، و قد جربتك فوجدتك أنت إياك، جعلت أنت صفة، و جعلت إياك بمنزلة الظريف إذا قلت: وجدتك أنت الظريف، و المعنى أنك أردت أن تقول: وجدتك كما كنت أعرف. و هذا كله قول الخليل، سمعناه منه.
و تقول: أنت أنت، تكررها، كما تقول للرجل: أنت، و تسكت على حد قوله:
قال الناس: زيد. و على هذا الحد تقول: قد جرّيت فكنت كنت إذا كررتها توكيدا، و إن شئت جعلت أنت صفة، و في نسخة أبي بكر مبرمان: فكنت أنت، و عليه يستقيم الكلام.
قال أبو سعيد: قد ذكرنا أنّ من مواضع الضمير المنفصل تقديمه على المعامل، و الفصل بينه و بينه بحرف الاستثناء و حرف العطف، فالتقديم كقوله عز و جل: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [١]، و الاستثناء قوله: ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ [٢]، و العطف قوله:
يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَ إِيَّاكُمْ [٣]، وَ إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [٤].
و إذا قلت: (إنّ زيدا رأيت) ففي نصب (زيد) وجهان:
أحدهما: أن تنصبه ب (إنّ) و تضمر في (رأيت) الهاء العائدة إليه.
و الآخر: أن تنصبه ب (رأيت) و تقدر في (إنّ) الهاء على تقدير (إنه)، و جميعا غير
[١] سورة الفاتحة، الآية: ٥.
[٢] سورة الإسراء، من الآية: ٦٧.
[٣] سورة الممتحنة، من الآية: ١.
[٤] سورة سبأ، من الآية: ٢٤.