شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٦١
و ذكر الفراء عن البصريين أنهم قالوا: نصبنا المستثنى بإضمار فعل معناه لا أعني زيدا.
و أظنه أراد ما قاله سيبويه في الموضع الذي حكينا فيه عنه من هذا الباب" و لكن زيدا. و لا أعني زيدا".
قال أبو سعيد: هذا تفسير لمعنى الاستثناء و ليس بتحقيق للناصب له. و ناقضهم الفراء على الذي حكاه عنهم. و لم يتشاغل به لأنه ظن ظنه بهم.
و أما قول سيبويه عقيب قوله" و على هذا: ما رأيت أحدا إلا زيدا فننصب زيدا على غير رأيت" فإنما يريد: فتنصب زيدا على غير البدل و لكن على الاستثناء كما تستثني من" أتاني القوم إلا زيدا".
فإذا قلنا:" ما رأيت أحدا إلا زيدا، فنصب (زيد) على وجهين:
أحدهما: أن تجعله بدلا من" أحد".
و الآخر: أن تنصبه على الاستثناء.
و العامل للنصب في الوجهين هو: رأيت.
و مثله مما ينصب على معنيين و تقديرين مختلفين قولك:" صمت اليوم" نصبت اليوم على وجهين:
على الظرف، و على أنه مفعول على سعة الكلام.
و العامل فيه" صمت" في الوجهين جميعا.
و معنى نصبه على الظرف أن تقدر فيه" في" و إن حذفت كأنه قال: صمت في اليوم.
و معنى نصبه على سعة الكلام: أن تقدير" في" و يكون وصول" صمت" إلى" اليوم" كوصول" ضربت" إلى زيد".
و قال الكوفيون في ذلك قولين مختلفين:
أما الكسائي: فيما حكي عنه فقال: إنما نصبنا المستثنى لأن تأويله: قام القوم إلا أن زيدا لم يقم".
و قد رده الفراء بأن قال:" لو كان هذا النصب بأنه لم يفعل لكان مع" لا" أوجب في قولك:" قام زيد لا عمرو".
قال أبو سعيد: و لا يلزم الكسائي ما ألزمه الفراء على ظاهر الكلام؛ لأن الكسائي احتج بظهور عامل ناصب بعد" إلا" فحمل" زيدا" على ذلك الناصب و هو" أن" في قوله:
إلا أن زيدا لم يقم" فإذا قلت: قام زيد لا عمرو" لم تقل: قام زيد لا أن عمرا لم يقم.