شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٥٧
قال أبو سعيد: ما كان من الحروف يخص بالجحد فلا يجوز دخوله على الموجب و لا تعليق الموجب به.
فإذا قلت: ما أتاني من أحد إلا زيد لم يجز خفض زيد؛ لأن خفضه بمن، و لا يجوز دخول" من" هذه على الموجب و لا تعليق الموجب بها. و إنما دخلت في النفي على نكرة لنقله من معنى الواحد إلى معنى الجنس.
و لو كانت" من" التي تدخل على المنفي و الموجب لجاز خفض ما بعد" إلا" بها.
كقولك ما أخذت من أحد إلا زيد. لأن" من" إذا كانت في صلة الأخذ دخلت على المنفي و الموجب.
و مثل الأول:" ما أنت بشيء إلا شيء لا يعبأ به" لأن هذه الباء لا تدخل إلا على منفي لتأكيد الجحد، و لا يجوز:" ما أنت بشيء إلا شيء" لأن ما بعد" إلا" موجب إذا كان قبله جحد.
فإذا كانت الباء في صلة شيء يستوي فيه المنفي و الموجب جاز حمل ما بعد" إلا" عليها كقولك: ما مررت بأحد إلا زيد، و إذا لم يجز حمله على الخافض فيما ذكرنا حمل على موضعه، و لو لم يكن الخافض. تقول:" ما أتاني من أحد إلا زيد" و" ما أنت بشيء إلا شيء لا يعبأ به". لأن" من" لو لم تدخل لقلت: ما أتاني أحد إلا زيد. و كذلك: ما أنت شيئا إلا شيء لا يعبأ به. و تقول: و ما كان زيد بغلام إلا غلاما صالحا.
و لو حذفت الاسم المستثنى منه من الأول لقلت:" ما أتاني إلا زيد" و" ما أنت إلا شيء لا يعبأ به" و" لست إلا شيئا لا يعبأ به". و ما كان زيد إلا غلاما صالحا.
و قال الكوفيون: يجوز فيما بعد" إلا" الخفض في النكرة و لا يجوز في المعرفة.
فأجازوا: ما أتاني من أحد إلا رجل، و ما أنت بشيء إلا شيء لا يعبأ به. و لم يجيزوا: إلا زيد. و لم يجيزوا: ما أنت بشيء إلا الشيء التافه.
و الحجة عليهم ما ذكرناه من أن حروف الخفض في هذين الموضعين إنما دخلت من أجل النفي، فإنه لا يتعلق بالموجب و ما بعد إلا موجب.
و قد أقروا بأن المعرفة بعد" إلا" في ذلك لا تخفض و ما أقروا به من ذلك حجة عليهم، فبما أنكروا إذ لا فرق بينهما.
و كذلك قوله:" لا إله إلا اللّه". و" لا أحد فيها إلا زيد" لا يجوز حمل ما بعد" إلا" على النصب الذي توجبه" لا" النافية. لأن" لا" إنما تعمل في منفي و ما بعد" إلا" موجب و ليس بصفة له و لا عطف عليه فيتبعه في لفظه.