شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ١٥١
و النصب و الجر، و هذا زيادة بيان قد أحسنوا فيه.
و قد سوّوا المرفوع و المنصوب و المجرور في بعض المواضع، و ذلك قولك: قمنا و ذهبنا، النون و الألف في موضع رفع. و أكرمنا زيد و أعطانا، النون و الألف في موضع نصب. و نزل علينا زيد، و رغب فينا، النون و الألف في موضع جرّ. و قد كنّا ذكرنا أنّ الضمير المنفصل في الأصل للمرفوع؛ لأنّ أوّل أحواله الابتداء، و عامل المبتدإ ليس بلفظ، فإذا أضمر لم يكن بدّ من أن يكون ضميره منفصلا، و المنصوب و المجرور لا بدّ لهما من لفظ يعمل فيهما، فإذا أضمرا اتّصلا بذلك اللفظ، فصار المرفوع مختصّا بالانفصال، فإذا وصفنا المضمر المنصوب و المجرور- و وصفهما هو تأكيدهما لئلا يذهب الوهم إلى غيرهما، كما يؤكّدان النّفس و العين إذا قلت: رأيته نفسه، و رأيته عينه، و رأيته بعينه، و مررت به نفسه، و عينه؛ فبعينه لتحقيق الفعل للشّيء بعينه دون من يقوم مقامه و من يشبهه- احتجنا إلى ضمير منفصل، و لا منفصل إلا ضمير المرفوع، فاستعملناه في المنصوب و المجرور و المرفوع، كما اشتركن جميعا في (نا)، و كما ذكرنا من إيجاب القياس اشتراكها كلّاه في لفظ واحد، و ليست هذه الصفة كصفة زيد؛ لأن صفة زيد و نحوه تحلية له لتبينه من زيد آخر، و هذا قد عرف بالضّمير، و إنّما يؤكّد لئلا يتوهّم أنّ الفعل الواقع إنما وقع من بعض أسبابه، كما يقول القائل: ضرب الأمير زيدا، و الذي تولّى الضّرب غيره، فإذا قلت:
ضرب الأمير نفسه زيدا، فقد تولى الضّرب بنفسه، و كذلك: مررت بك، يجوز أن يكون:
مررت بمن يخلفه، أو من يشبهه في أمر من الأمور، فإذا قلت: مررت بك أنت، بيّنت أنّه الممرور به، و سمّاه النّحويون: وصفا، و إن خالف وصف زيد؛ لأنه يجري على زيد في تعريفه و رفعه و جرّه و بيان الأول به على الوجه الذي قصد بيانه به.
و قول سيبويه: (و اعلم أن هذه الحروف لا تكون وصفا لمظهر كراهية أن يصفوا المظهر بالمضمر) إن اعترض عليه معترض فقال: و ما تكره من هذا؟ و من كلامهم وصف المضمر بالمظهر في قولك: قمتم أجمعون، و مررت بكم كلّكم، و رأيته نفسه، فما بين المظهر و المضمر تباين يوجب أن لا يؤكّد أحدهما بالآخر.
فالجواب عن ذلك أنّ المضمر لا يوصف بما يعرّفه، و إنّما يوصف بما يؤكّد عمومه، أو يؤكّد عينه و نفسه، نحو: مررت بكم كلّكم، و مررت بكم أجمعين، و مررت بك نفسك، و الظّاهر يشارك المضمر في التوكيد بالعموم و بالنّفس كقولك: مررت بالقوم أجمعين، و مررت بالقوم كلّهم، و مررت بزيد نفسه، و يختصّ الظاهر بالصفة التي هي تحلية عند التباسه بظاهر آخر مثله نحو: مررت بزيد البزّاز، و الطويل و ما أشبهه.